القمر ثقب دائري واسع في سقف السماء
يسرب الضوء اللزج مباشرة إلى غرفتي
النجوم حصى بيضاء متناثرة على طريق مجرة ميتة منذ عصور
البحر يتنفس بعمق داخل رئتي المتعبتين
الأسماك الزرقاء تسبح بحرية في مجرى عروقي
الغابة تمشي بخطوات ثابتة نحوي
الأشجار العالية تعانقني بقسوة، تعصرني
تحولني ببطء إلى لوح خشبي قديم
أقف بثبات وسط الحديقة
أمد ذراعي مثل فزاعة
الأغصان الخضراء تنمو بسرعة من أطراف أصابعي
العصافير المهاجرة تبني أعشاشها الدافئة في تجاويف رأسي
الريح الخريفية تقرأ أفكاري السرية
تنشرها زهورا سوداء في الحقول المجاورة
أصابعي جذور خشنة تمتد عميقا تحت الإسفلت
بلهفة تبحث عن ماء خبأته الزلازل
العظام أنابيب فارغة
تعزف ريح الخريف داخلها لحن النهايات
دمي نهر من المعدن المنصهر
يحرق الأوردة الممتدة نحو القلب
الرأس قفص مهجور
الأفكار فراشات رمادية تصطدم باستمرار بعظام الجمجمة
أمشي في الشوارع المزدحمة
حاملا جثتي الثقيلة على كتفي المائل
المارة يلقون التحية على الجثة بوقار تام
أبتسم للمشهد بكامله
أزرع خطواتي المتعبة في تجاعيد الرصيف
أثمر أسئلة شائكة تجرح أقدام العابرين
الأفق البعيد حبل مشنقة متين يلتف بقسوة حول عنق الأرض
الغيوم البيضاء أكفان جاهزة معلقة في فراغ الهواء
المطر الغزير دموع حارة تذرفها كائنات سماوية عمياء
أقف بثبات على حافة الهاوية السحيقة
أرمي حصاة صغيرة نحو القاع
أسمع صدى سقوطها المدوي
بعد ألف عام بالتمام
أقفز بجسدي نحو الهاوية
أسقط بسرعة هائلة إلى الأعلى
أصطدم بعنف بحواف النجوم المدببة
أشتعل فجأة
أصبح نيزكا مضيئا يخترق الغلاف الجوي
أترك خلفي خطا طويلا من الضوء الساطع
رسالة وداع مشفرة يقرأها أطفال يولدون غدا صباحا
سيجمعون رمادي المتناثر في الحقول
ويصنعون منه تماثيل طينية صغيرة لآلهة العصر الجديد
النوم طائر معدني يحلق بعيدا في سماء جيراني
أعد الثواني المتساقطة من ساعة الحائط
أجمعها في كأس زجاجية
أشرب الوقت دفعة واحدة
عيناي نافذتان تطلان على صحراء بيضاء
العناكب تنسج خرائط اليقظة بين رموشي
بينما أسمع نمو أظافري في العتمة
البيوت مفتوحة على العراء
تمشي في طوابير طويلة نحو أطراف المدينة
المقابض النحاسية تلمع تحت ضوء القمر المريض
تتبادل الأبواب أسرار الغرف المغلقة
تتجمع في ساحة عامة
تبني برجا عاليا من الخشب القديم
الريح تعبر من ثقوب المفاتيح
البيوت تنوح على فراغها
الجدران تنهار خجلا من عريها المفاجئ
ونحن نيام في الفراغ
نغطي أجسادنا بأوراق الخريف المتساقطة
ونحرس أحلامنا بعيون مفتوحة
نقف في دوامة ضبابية
باحثين عن أرض ثابتة نضع عليها أقدامنا
بينما يبتلعنا سراب القوافل القديمة
