يمكن اعتبار الصيد طقسا تأمليا أدرك فيه الإنسان موازين القوى بين الوجود والعدم. آمنت بعض القبائل بيقين غريب: أنك إذا أردت قتل غزال، فلا تضيق عليه الخناق. كانوا يزعمون أنك إذا أحطت به من كل الجهات، وسددت كل ثغرة يمكن تسلل بصره منها نحو الأفق، فإنك لن تجد ما تصطاده
لأن الغزال حينها لن يسقط قتيلا، بل سيختفي، سيتبخر كدخان، لأنه فقد ما يبرر وجوده وهو ذلك المشهد القائم على دراما الهرب يحيا على تلك الرعشة التي تسري في جسده وهو يظن أن النجاة برغم استحالتها لا تزال ممكنة. الغزال حي لأنه يطمع في ثغرة، فإذا انعدمت الثغرة، انعدم وجود الغزال.
كذلك الماء الذي يتوقف عن الجريان يتعفن. النهر يكتسب عذوبته وحياته من حركته الدائمة واصطدامه بالصخور وانحناءاته الإجبارية ومن هروبه الدائم نحو مصب مجهول.
لو قرر النهر أن يحمي نفسه من التشتت، وبنى حول نفسه سدا محكما ليحتفظ بقطراته، لتحول في أيام معدودة إلى مستنقع آسن، تفر منه الحياة وتستوطنه الطحالب. الحياة ببساطة هي حركة في اتجاه ناقص وليست سكونا أو حصارا في دائرة كاملة.
هذا الحصار المكتمل يشبه جحيم الاكتئاب. فالاكتئاب لا يهاجمك من الخارج إنما هو إحكام داخلي يقوم به العقل ضد نفسه. يمنحك عقلك حينها مشرطا حادا، يستخدمه لقطع كل خيوط الرجاء.
يحولك إلى ذاك الغزال الذي قرر فجأة أن يتوقف عن الركض لأنه استطاع بذكائه المفرط أن يرى الصورة كاملة، رأى الصيادين، ورأى السهام، ورأى حدود الغابة التي ستنتهي حتما عند حافة الهاوية. الاكتئاب هو كمال الرؤية واستمرارها في عالم لا يُحتمل إلا بالشرود والتغافل.
هو اللحظة التي يغلق فيها المرء عينيه ليس لأنه لا يرى، بل لأنه رأى أكثر مما ينبغي، وأدرك أن كل الدروب تؤدي إلى ذات الشيء.
وهنا تظهر العزلة لتصبح هي التجسيد المادي لهذا الحصار النفسي. يلجأ الإنسان إلى العزلة في البداية ظنا منه أنها حصن يزين له الاكتئاب أنه بإغلاق الأبواب وقطع الأوتار التي تربطه بالآخرين سينجو من الخيبة والخذلان. لكن العزلة التي توجد كحماية تنتهي كزنزانة انفرادية. العزلة المطبقة هي استدعاء للموت لأن المرء فيها يواجه عدوا لا يرحم: نفسه.
في العزلة، لا تعود هناك أصوات خارجية تكسر رتابة الحوار الداخلي المسموم، تصبح الأفكار ذئابا جائعة محاصرة في قفص واحد. سرعان ما تأكل بعضها البعض. الإنسان المحاصر بعزلته يفقد القدرة على التمييز بين حقيقته وبين أوهامه كما يفقد السجين قدرته على تمييز الوقت في زنزانته.
الإغلاق التام هو دعوة صريحة للفناء. الشيء الذي لا ثقب فيه لا يدخله الهواء، فإذا كان لا يمكنك التنفس في عزلتك ستختنق من تلقاء نفسك.
الحياة في جوهرها هي فن ترك الأبواب مواربة.
والشعراء العشاق أدركوا هذا السر كان عليهم دائما أن يمارسوا لعبة الهرب/الغياب المؤقت واستحضار الأطلال والبكاء عليها والابتعاد ليروا المحبوب من بعيد، ليعيدوا خلق تلك الثغرة التي تسمح للشوق بأن يتسلل ليبقى الحب موجودا.
المأساة الكبرى هي ارتكاب خطيئة سد فجوات المصادفة بيقين المنطق وتحريك قطع الشطرنج في عقولنا لعشر خطوات للأمام، فنرى الخسارة وننسحب قبل بداية اللعبة دون ترك مجال لخطأ وارد من المنافس. نحن نقتل غزالنا الداخلي لأننا لم نعد نؤمن بإمكانية خلق ثغرة للهرب.
أما الناجون الحقيقيون ينجون لأنهم يتركون ثقوبا في منطقهم، ويصدقون الأكاذيب الجميلة، ويجاريهم القدر لأنهم لا يزالون يمتلكون دهشة الغزال الذي يظن أن الغابة لا تنتهي.
ينجو الغزال الذي يرى شقا من الضوء ويصدق أنه طريق للنجاة بينما يذوي الإنسان المكتئب المحاصر بذكائه لأنه علم يقينا أن الضوء ما هو إلا انعكاس لنصل الصياد.
