تمثل كل من "الأوديسة" و"الأمير الصغير" رحلة يخوضها البطل. لكن حين نضع جانبا العنوان العريض "الرحلة" ونتوجه إلى التفاصيل التي تحمل الوزن الفعلي في كل نص، نكتشف أن النصين يتقاطعان عند مجموعة من التفاصيل الوظيفية الدقيقة، لا عند فكرة عامة عن الحنين فقط: فكلاهما يبني عالمه الأخلاقي حول اختبار يفصل بين من يرى الجوهر ومن يقف عند السطح، وكلاهما يجعل من الحكي نفسه آلية لاستيعاب الفقد لا مجرد وسيلة لنقل الأحداث، وكذلك يخضع البطلين للحظة تعر وجودي كامل قبل السماح باللقاء النهائي، وكلاهما يبلغ ذروة معناه عند النجوم بوصفها أفقا للتوجيه والذاكرة معا، ويرفضان أسطورة البطل المكتفي بذاته مصرين على أن العودة والنجاة لا تتحققان إلا عبر شبكة من الضيافة والاعتماد المتبادل على الغرباء، وكلاهما يقيس الكرم والجشع بمقياس الماء والطعام، كما ينقلب كلاهما على معيار الثروة المتراكمة ليستبدله بمعيار العلاقة، ويجعلان من التفرد والهوية أثرا متراكما لعلاقة استغرقت وقتا، لا خاصية جاهزة في الأشياء نفسها
يفتتح "الأمير الصغير" حكايته، قبل أن يظهر الأمير نفسه، برسمين طفوليين: ثعبان يبتلع فيلا، ثم المقطع الداخلي لهذا الابتلاع. حين يعرضهما الراوي وهو طفل على الكبار، لا يرون فيهما سوى قبعة، وينصحونه بترك الرسم والانصراف إلى ما هو "جاد ونافع". هذا المشهد الافتتاحي ليس مجرد قصة، إنما هو إعلان عن قانون العالم الذي تبنى عليه الحكاية بأكملها: ثمة طبقتان من الرؤية، رؤية سطحية تكتفي بالشكل الخارجي/قبعة، ورؤية عميقة تدرك ما يختبئ خلفه /فيل يبتلعه ثعبان، وموقع كل شخصية من هاتين الطبقتين هو ما يحدد قيمتها الأخلاقية في عالم النص: الملك، والمغرور المعجب بنفسه، ورجل الأعمال، جميعهم عالقون عند الطبقة الأولى، بينما الأمير والثعلب وحدهما تقريبا ينتميان إلى الطبقة الثانية
هذا القانون نفسه وإن كان بصيغة أخرى، هو ما يحكم الجزء الأخير من "الأوديسة". حين يعود أوديسيوس أخيرا إلى إيثاكا، لا يعلن عن نفسه، بل يتنكر في هيئة شحاذ عجوز رث الثياب. ويتجول متنكرا داخل بيته هو نفسه، يهان ويستخف به، ويصبح كل من يلتقيه اختبارا حيا لقدرته -أو عجزه- على الرؤية الصحيحة الخطاب يرونه شحاذا حقيرا يستحق الإهانة والقذف بالأحجار، الراعي ميلانثيوس يسخر منه ويركله، بينما الكلب أرغوس المحتضر على كومة الروث، يتعرف عليه فورا رغم عشرين عاما من الغياب والتنكر معا، والمربية إيروكليا حين ترى ندبته القديمة أثناء غسل قدميه، ترى الحقيقة تحت جلد الشحاذ المتجعد، ويومايوس الراعي يمنح الشحاذ الغريب المجهول كرما وإيواء لا يفسران إلا بأصالة أخلاقية لا علاقة لها بمظهر من أمامه. يمكن القول أن "الأوديسة" في نهايتها تمثل تجربة معملية ضخمة في الرؤية الصحيحة، تماما كما هي حكاية "الأمير الصغير" منذ سطرها الأول، وفي الحالتين، من يحكم بالمظهر يدان، ومن يرى ما تحت المظهر يكافأ بالمعرفة أو بالحب
وقد يكون أدق تجليات هذه اللعبة بين الظاهر والباطن أسلوب أوديسيوس اللغوي نفسه في مواجهة السايكلوب قبل عودته إلى إيثاكا بزمن: حين يسأله بوليفيموس عن اسمه، يجيبه أوديسيوس بأنه "لا أحد"، وحين يعمي عينه لاحقا ويصرخ مستغيثا قائلا "لا أحد آذاني"، فيظن البقية أن صرخته لا تعني شيئا فيتركونه وشأنه، فيما الحقيقة الكاملة كامنة داخل الكلمة الفارغة نفسها. اللغة هنا تكرر بنيويا لعبة القبعة والفيل ذاتها: علامة سطحية فارغة الدلالة لمن لا يعرف، تخفي تحتها الحقيقة الكاملة لمن يعرف كيف يسمع
واللافت أكثر أن كلا النصين يربط هذه القدرة على الرؤية الصحيحة بمكانة اجتماعية متدنية أو هامشية لا بالسلطة أو التعقل: الراعي والمربية العجوز والكلب، لا الأمراء ولا الخطاب الأثرياء، هم من يملكون العين الصادقة في الأوديسة، والطفل، لا الراشدون العقلاء، هو من يملك تلك العين في "الأمير الصغير". العمى عن الجوهر، في النصين معا، مرتبط تحديدا بالامتياز والثقة الزائدة بالمظهر الاجتماعي، بينما الإبصار الحقيقي ينبت غالبا عند الهامش
وتزداد دلالة هذا الاختبار حين نلاحظ أن التنكر نفسه ليس اختيارا من أوديسيوس وحده، بل تدخل إلهي مباشر: حيث مسحت أثينا يديها على جسده فتجعد جلده، وذهب بريق شعره، وألبسته أسمال شحاذ عجوز، أي أن العالم نفسه، يتواطأ معه على تعمية أعين المحيطين به، تاركا لهم مسؤولية أن يخترقوا هذا الحجاب المفروض بحاسة أعمق من النظر المجرد. وهذا يجعل من الرؤية الصحيحة في الملحمة، إنجازا أخلاقيا لا مجرد صدفة إدراكية. ومن تجليات هذا الإنجاز ما تفعله بينيلوبي نفسها في المشهد الأخير: فحتى بعد أن يتعرف عليه ابنه تليماخوس، وبعد أن تشهد المربية العجوز ندبته بعينيها، تظل وحدها متريثة، رافضة أن تندفع نحو "الشحاذ" الذي يزعم أنه زوجها، إلى أن تختبره هي شخصيا بحيلة الفراش المتجذر. وفي هذا التريث إشارة إلى أن الرؤية الصحيحة ليست دائما انفعالا فوريا يشبه فعل الكلب أرغوس، بل قد تكون كذلك تبصرا مكتسبا بالصبر والاختبار، لا يقل قيمة عن التعرف الغريزي، بل يفوقه ربما نبلا لأنه يرفض التسرع في الثقة. وهذا التوازي بين رؤية غريزية ورؤية مكتسبة نجده أيضا في "الأمير الصغير": فالثعلب لا يهب الأمير بصيرته فورا بل يعلمه أن الرؤية الحقة تحتاج وقتا واستئناسا تدريجيا، تماما كما تحتاج بينيلوبي إلى اختبارها الخاص قبل أن تسمح لعينيها بالتصديق
وإذا انتقلنا من مسألة الرؤية إلى مسألة الحكي ذاته، وجدنا تقاطعا. ففي الأنشودة الثامنة من "الأوديسة"، يجلس أوديسيوس وهو لا يزال مجهول الهوية، في قصر الفياكيين يستمع إلى المنشد ديمودوكوس ينشد سقوط طروادة وحيلة الحصان الخشبي، فينهار باكيا، يغطي وجهه بردائه كي لا يراه أحد. يلاحظ الملك ألكينوس دموعه، ويوقف الغناء، ويسأله عن اسمه وقصته. وهنا مدفوعا بهذا الانهيار العاطفي لا برغبة استعراضية، يبدأ أوديسيوس روايته الطويلة عن مغامراته. بعبارة أخرى: في قلب هذه الملحمة البطولية في، الحكي لا ينشأ من لحظة الفخر بل من الحزن أي أنه استجابة لدمعة، لا مباهاة ببطولة. بل إن هوميروس نفسه يشبه بكاء أوديسيوس في تلك اللحظة ببكاء امرأة تعانق جثة زوجها الساقط أمام أسوار مدينته المحاصرة قبل أن يساق بها الغزاة أسيرة إلى العبودية، أي أن النص يربط عمدا، بين بطل عائد من الحرب منتصرا وبين امرأة مهزومة تفقد كل شيء، ليقول إن الحزن، في لحظة الحكي هذه تحديدا، لا يعرف فارقا بين المنتصر والمهزوم
وقبل أن يظهر أوديسيوس نفسه في الملحمة أصلا، يفتتح هوميروس نصه بالابن تليماخوس، الذي ينهار بدوره حين يذكر بأبيه الغائب في مستهل الأنشودة الأولى، ويقضي رحلته الخاصة إلى بيلوس وإسبرطة يستمع إلى شهادات الناجين عن أب لا يعرف عنه شيئا مؤكدا سوى أنه ربما مات. حتى قبل أن يبدأ أوديسيوس حكيه عن نفسه، إذن، تكون الملحمة بأكملها قد أسست الحكي بوصفه استجابة لغياب موجع، لا مجرد سرد محايد للأحداث. وهذا يتردد صداه في الصفحات الأولى من "الأمير الصغير" حيث يعترف الراوي الطيار، بنبرة اعتذارية متكررة، أنه يرسم بصعوبة، وأن رسومه لا تشبه الأمير كما كان في الحقيقة، وأنه يخشى أن ينسى تفاصيل وجهه أو حتى لون ثوبه بمرور الوقت. هذه الرسوم الناقصة عمدا -خروف لا يشبه خروفا- ليست عجزا فنيا يعتذر عنه بتواضع فحسب، بل هي تجسيد بصري لفكرة الحكي بوصفه محاولة غير مكتملة أبدا لاحتواء فقد لا يحتوى بالكامل، تماما كما تظل رواية أوديسيوس نفسها رغم طولها وتفصيلها، عاجزة عن إحياء الرفاق الذين فقدهم واحدا تلو الآخر في طريق العودة. ويكفي تذكر نزول أوديسيوس بنفسه إلى العالم السفلي، حيث يلتقي أمه التي ماتت كمدا بسبب غيابه، فيحاول عبثا أن يعانقها وهي تنسل من بين ذراعيه كالظل، لندرك أن الحكي في هذا النص ليس مجرد نقل معلومات بل الطريقة الوحيدة المتاحة للأحياء للتفاوض مع موتاهم
وتبلغ فكرة استعادة القدرة المفقودة ذروتها الرمزية في مشهد محدد من كل نص: ففي الأوديسة، لا يكتمل التعرف العلني على هوية أوديسيوس أمام الخطاب إلا حين يفعل شيئا لا يقدر عليه سواه: يفرد قوسه القديم"بالينتونوس"، هدية صداقة من شبابه لم يمسسها أحد منذ عشرين عاما، ويثنيه بسهولة لم يستطعها أقوى الخطاب ثم يسدد سهما واحدا عبر حلقات اثني عشرة فأسا مصطفة
الجسد، لا الكلام، هو ما يشهد هنا: يداه "تتذكران" فعلا تعلمتاه قبل عشرين عاما وبالمثل، فإن الطيار، الذي يفتتح الحكاية باعترافه بأنه توقف عن الرسم منذ الطفولة حين "سحق" الكبار ثقته، يجد نفسه مدفوعا، مرة بعد مرة والأمير يلح عليه أن يرسم خروفا، وفي كل مرة يستعيد قليلا من تلك القدرة اليدوية المنسية، إلى أن يصبح قادرا، في ختام الكتاب، على رسم أحزن صورة في حياته: صورة المشهد الذي اختفى فيه صديقه
في الحالتين، الهوية الحقيقية لا تستعاد بالتذكر الذهني وحده، بل بفعل جسدي متكرر يعيد تنشيط مهارة تحسبها الشخصية منسية إلى الأبد
وقبل أن يصل أي من البطلين إلى لحظة الاختبار أو الضيافة هذه، يمر كلاهما بلحظة تعر وجودي شبه كامل تُسقط عنه كل ما كان يعرف به سابقا من كفاءة أو مهارة أو مكانة فأوديسيوس محارب طروادة المحنك وربان السفن الماهر، تحطم العاصفة التي أرسلها بوسايدون طوفه الأخير، فيسبح عاريا يومين وليلتين متواصلتين، ويصلي في النهاية إلى إله النهر المجهول الاسم أن يرحم غريبا لا حول له ولا قوة لينجو بأعجوبة، ويلقى به أخيرا على شاطئ بلاد الفياكيين عاريا، منهكا، مغطى بالملح والطحالب، مضطرا أن يغطي جسده بغصن شجرة قبل أن يجرؤ على الاقتراب من نوسيكا وخادماتها. كل ما كان يعرف به -سلاحه، سفينته، لقبه، جيشه- قد تلاشى تماما، لم يبق له سوى جسده العاري وذكاؤه وصلاة غريب. وبالمثل، حين يهوي الطيار بطائرته في قلب الصحراء، تنهار معه كل الكفاءة التي يمثلها: فهو مهندس وقائد طائرة رجل تقني بامتياز، لكن هذه المهارة كلها لا تنفعه أمام عطش يهدد حياته خلال أيام معدودة ويجد نفسه في حالة إنهاك تشبه الهذيان، مهيأ فجأة لتصديق كائن يظهر أمامه في الرمال ويطلب منه أن يرسم خروفا. في الحالتين، لا يحدث اللقاء الحاسم -مع نوسيكا، ومع الأمير- إلا بعد أن يجرد البطل من أدواته المعتادة، العسكرية أو التقنية، وكأن النصين يتفقان ضمنيا على أن الاستعداد الحقيقي للقاء الآخر لا يتحقق إلا في لحظة العجز التام، لا في لحظة القوة
وإذا فكرنا في الأفق الذي يوجه هذا كله، وجدنا النصين يلتقيان عند نقطة عليا واحدة: السماء المرصعة بالنجوم. حين يغادر أوديسيوس أخيرا جزيرة كاليبسو بعد سبع سنوات من الأسر العاطفي، يصحبه تفصيل ملاحي دقيق: كوكبة الدب تظل على يساره طوال إبحاره، فهي وحدها، بين كل النجوم، لا تغرب أبدا تحت الأفق، وبها وحدها يستطيع أن يهتدي عبر بحر لا علامة فيه غير السماء. النجوم هنا أداة نجاة، الخيط الوحيد الذي يربط التائه ببيته
وفي "الأمير الصغير" تبلغ الحكاية ذروتها الشعرية والفلسفية عند الصفحات الأخيرة حيث يعد الأمير الطيار بأنه حين ينظر إلى السماء ليلا بعد رحيله، سيبدو له الأمر وكأن كل النجوم تضحك لأن إحداها، وحده الأمير يعرف أيها، ستكون بيته الذي يضحك فيه. وتنتهي الحكاية بمناشدة مباشرة لأي قارئ يجد نفسه يوما في تلك الصحراء بعينها أن يقف وينتظر تحت النجمة، لأنه هناك سقط الأمير إلى الأرض. في النصين إذن حين يعجز الجسد عن الوصول أو تعجز المعرفة عن اليقين، تتولى النجوم مهمة الوساطة بين الغياب والحضور: هي ما يسمح لأوديسيوس بأن يثق أن ثمة اتجاها نحو البيت حتى في قلب بحر بلا علامات، وهي ما يسمح للطيار بأن يثق أن صديقه لا يزال موجودا في مكان ما حتى بعد اختفائه التام
وفي الحالتين كذلك فإن السماء نفسها محايدة، لا تحمل معنى إلا لمن يعرف كيف يقرأها عبر علاقة سابقة: كوكبة الدب لا تعني شيئا لملاح عادي سوى إحداثية فلكية، لكنها بالنسبة لأوديسيوس تحديدا خيط العودة إلى امرأته وابنه، والنجوم كذلك ستبقى نقاطا مضيئة متطابقة لأي ناظر عابر، لكنها بالنسبة للطيار وحده ستحمل ضحكة صديق راحل. فالمعرفة الفلكية في الحالتين محايدة أما المعنى العاطفي الذي يحول تلك المعرفة إلى عزاء أو توجيه، فهو دائما هبة عابرة يمنحها كائن محبوب لعين من يحبه
يرفض النصين معا أسطورة البطل المكتفي بذاته. لاحظ فلاديمير بروب، في دراسته البنيوية لوظائف الحكاية الشعبية، أن كثيرا من الحكايات على اختلاف أصولها الثقافية، تتضمن وظيفة متكررة يسميها "المانح/الواهب": شخصية تختبر البطل عمدا أو مصادفة، فإن استجاب البطل بالشكل المناسب والصبر، منحته عونا أو أداة حاسمة لا يستطيع بدونها إكمال مساره. وهذه الوظيفة تتكرر في "الأوديسة" و"الأمير الصغير"
في الأوديسة، تجد الأميرة الفتية نوسيكا رجلا عاريا محطما يخرج من الأمواج على شاطئ بلادها، فبدل أن تفر مرعوبة كما تفعل خادماتها، تختار مساعدته، وهذا القرار وحده هو ما يفتح الطريق أمام ضيافة الفياكيين بأكملها التي ستمنحه، في النهاية، السفينة التي تعيده إلى إيثاكا. وقبلها، يستضيفه يومايوس دون أن يعرف من يكون، بكرم لا تفسير له غير طيبة أصيلة. وتجدر الإشارة إلى أن اختبار الضيافة عند الفياكيين نفسه يتضمن، ضمن أحداثه، إعادة تمثيل مصغرة لموضوع الرؤية الصحيحة: حين يسخر أحد الشبان الفياكيين من الضيف الغريب الغامض الهيئة ظانا إياه تاجرا لا محاربا، يثور أوديسيوس ويقذف قرص الرمي "الجلة" بقوة تفوق كل منافسيه مجتمعين، كاشفا في لحظة واحدة زيف الحكم على الغرباء بمظهرهم المنهك. وهكذا يتداخل اختبار الضيافة مع اختبار الرؤية في المشهد نفسه
وينطبق منطق "المانح" ذاته على "الأمير الصغير". فالثعلب لا يمنح الأمير معرفته مجانا بل يطلب منه أولا أن "يستأنسه"، أي أن يستثمر وقتا وصبرا وانتظاما في بناء العلاقة، تماما كما يختبر ضيف الفياكيين بمأدبة ومباراة رياضية قبل أن يمنح سفينته، وحين يجتاز الأمير هذا الاختبار الطويل من الصبر، يكافأ بالسر الذي يحمله عنوان الحكاية بأكملها
والوردة نفسها، بضعفها ومطالبها المزعجة، ليست عبئا عرضيا بل هي، في المنطق ذاته، اختبار الحب الأول الذي يهيئ الأمير لفهم معنى "الاستئناس" حين يلتقي الثعلب لاحقا وحتى الأفعى، في نهاية الحكاية، تؤدي وظيفة "المانح" بصورتها القاسية: هي من تمنح الأمير، عبر لدغتها، العبور الذي يحتاجه للعودة، تماما كما تمنحه كائنات أخرى، عبر الحكاية، كل ما يحتاجه ليفهم ما يعنيه أن يحب
في النصين إذن، البطل سواء كان محاربا مخضرما أو أميرا كوكبيا صغيرا عاجز بمفرده تماما عن بلوغ غايته. لا أوديسيوس، رغم كل دهائه المشهور، يعود إلى بيته بقوته الذاتية وحدها، ولا الأمير، رغم كل حكمته المبكرة، يفهم الحب أو يجد طريق العودة من دون معلمين ومضيفين لم يكن يملك عليهم أي سلطان
وهذا الرفض المشترك لأسطورة الاكتفاء الذاتي يؤكد أن النجاة والمعنى لا يصنعان في عزلة بل يمنحان أو يستعاران من شبكة من الغرباء الذين يختارون لسبب أو لآخر، أن يفتحوا بيوتهم أو قلوبهم لعابر لا يدينون له بشيء
ويظهر هذا الاعتماد المتبادل بوضوح عند تأمل دور الطعام والماء في اقتصاد الضيافة عند النصين معا، لا بوصفهما تفصيلا واقعيا عابرا وإنما بوصفهما مقياسا أخلاقيا. فجريمة الخطاب الكبرى في الأوديسة ليست، في جوهرها، اغتصاب العرش أو مضايقة بينيلوبي فقط بل هي الافتراس المستمر لثروة بيت لا يملكونه: يذبحون قطعان أوديسيوس ويشربون نبيذه، ويلتهمون خبزه يوما بعد يوم دون مقابل ولا استئذان، في خرق صارخ لكل ما تقتضيه قوانين الضيافة. وفي المقابل، فإن الضيافة الحقة تقاس بالمثل عبر الطعام: يومايوس، رغم فقره، يذبح لضيفه المجهول أفضل ما يملك من خنازير، ونوسيكا تأمر خادماتها بإطعام الغريب المنهك قبل أي شيء آخر. الطعام هنا هو اللغة التي يتكلم بها النص عن الكرم والخيانة معا
وفي "الأمير الصغير" حين يقترب الطيار والأمير من حد الموت عطشا في قلب الصحراء، لا يجدان بئرا قريبة بالصدفة، بل يمشيان معا تحت النجوم بحثا عنها، صامتين أغلب الطريق، حتى يعثرا عليها عند الفجر. وحين يشرب الطيار أخيرا من تلك البئر، يوضح النص صراحة أن هذا الماء لم يكن مجرد غذاء وأنه ولد من المسيرة الطويلة تحت النجوم، وصرير البكرة، وجهد الذراعين، أي بسبب كل ما استثمر من وقت وتعب في سبيل الوصول إليها. الماء هنا يعاد تدويره ليصبح تكرارا مصغرا لدرس الوردة نفسه: أن قيمة الشيء ليست في جوهره الموضوعي بل فيما استثمرناه من وقت وجهد للوصول إليه أو للعناية به. وهكذا يلتقي الطعام والماء، في النصين، عند الوظيفة الأخلاقية نفسها تماما: مقياس محسوس للفارق بين الكرم والجشع، وبين قيمة مكتسبة بالجهد والعلاقة، وقيمة مزعومة يريد المرء الاستيلاء عليها مجانا
ويتصل بهذا مباشرة انقلاب مشترك في معيار الثروة ذاته. فأوديسيوس، حين يصل أخيرا إلى شاطئ إيثاكا، لا يصل غنيا بغنائم عشرين عاما من الحرب والترحال كما قد يتوقع من بطل عائد، فقد ابتلع البحر كل شيء تقريبا: سفنه ورفاقه جميعا، وأكياس الذهب التي جمعها من طروادة، بل حتى الهدايا التي نالها من بعض مضيفيه خلال الرحلة. ما يصل به إلى الشاطئ في النهاية هو، هدايا ضيافة الفياكيين الأخيرة لا غنائم حرب، وحتى هذه يخبئها في كهف بمساعدة أثينا خشية أن تسرق قبل أن يستعيد بيته. ثروته الحقيقية، كما يصرح النص عبر بنيته كلها، ليست فيما يحمله من ذهب، بل فيما يستعيده من علاقات: زوجة، وابن، وولاء خادمين بسيطين
وهذا الانقلاب في معيار الثروة هو بعينه ما يسخر منه "الأمير الصغير" حين يصور رجل الأعمال الذي يقضي حياته في عد النجوم لأنه "يملكها"، مقتنعا أن الملكية الرقمية تمنحه إياها فعلا، بينما هو، في الحقيقة، لا يملك سوى رقم في دفتر. الأمير، الذي يملك نجمة واحدة فحسب لكنه يسقيها ويحبها، أثرى من رجل الأعمال. وفي الحالتين يرفض النصان معا معادلة الثروة بالكمية المتراكمة، ويستبدلانها بمعادلة أخرى: قيمة الشيء تقاس بعمق العلاقة التي تربطنا به، لا بحجمه أو عدده أو ثمنه في أي سوق
وثمة تقاطع أخير، يتعلق بمصدر التفرد ذاته. حين تتعرف المربية العجوز على أوديسيوس، فإن ما تتعرف عليه تحديدا ندبة خلفها ناب خنزير بري في مطاردة صيد من شبابه، حين كان في ضيافة جده لأمه أوتوليكوس الذي منحه اسمه. والندبة في ذاتها ليست علامة نادرة استثنائية فأي محارب يوناني قد يحمل ندوبا مشابهة من صيد أو حرب، ما يجعلها فريدة هو تحديدا التاريخ العائلي والعاطفي الملتصق بها: من أعطاه اسمه، ومتى، وفي أي ظرف. التفرد هنا ليس خاصية موضوعية في الندبة نفسها، وإنما هو ما تختزنه الندبة من علاقة وتاريخ
وهذا هو الدرس الذي يتعلمه الأمير الصغير حين يكتشف، بصدمة يرويها بمرارة، حديقة أرضية تعج بخمسة آلاف وردة تشبه وردته تماما، فيشعر أن وردته "العادية" التي ظنها فريدة في الكون لم تكن سوى واحدة من آلاف
فيشرح له الثعلب لاحقا أن وردته صارت فريدة لا لأنها مختلفة موضوعيا عن الآلاف الأخريات فهي من الناحية النباتية ليست كذلك بل لأن الوقت الذي أمضاه في سقايتها وحمايتها من الريح تحت الغطاء الزجاجي والإصغاء إلى شكاواها هو ما "استأنسها" وجعلها، من بين كل الورود المتطابقة شكليا، وردته هو وحده.إذن في النصين الفرادة ليست خاصية كامنة في الشيء ذاته -ندبة، وردة- بل هي تراكم من علاقة استغرقت وقتا واستثمارا عاطفيا، ولعل هذا ما يفسر لماذا حزن الأمير الصغير على وردته المهددة بالنسيان وسط الآلاف، تماما كما تتريث بينيلوبي قبل أن تصدق، وتفرح أخيرا حين تتيقن أن الندبة التي أمامها هي حقا ندبة زوجها لا ندبة أي محارب آخر يشبهه
وثمة تقاطع إضافي يتعلق بوظيفة الاسم ذاته، وهو تقاطع قد يبدو للوهلة الأولى نقطة افتراق لا التقاء، لكنه عند التدقيق يكشف عن الحدس المشترك ذاته. فأوديسيوس، خلافا لصورته الشعبية بوصفه بطلا يعلن عن نفسه بفخر، هو في الواقع شخصية حذرة إلى أبعد حد فيما يخص اسمه: يرفض أن يبوح به لنوسيكا حين تسأله في بداية لقائهما، ويخترع لنفسه اسما فارغا "لا أحد" أمام بوليفيموس، ولا يفصح عن هويته الكاملة أمام مضيفيه الفياكيين إلا بعد أن تثبت الأيام صدق نياتهم، ولا يعلنها أمام الخطاب أنفسهم إلا في اللحظة الأخيرة القاتلة، حين يصبح الاسم نفسه سلاحا. بل إن أصل الاسم ذاته محمل بدلالة قاتمة: يخبرنا هوميروس أن جده أوتوليكوس هو من اختار له اسمه، تخليدا لكونه هو نفسه رجلا "سبب الألم" لكثيرين في حياته، بحيث يحمل أوديسيوس، منذ ولادته، اسما هو أقرب إلى نبوءة أو لعنة عائلية منه إلى مجرد علامة تعريف محايدة. الاسم، إذن، ليس معطى بريئا في هذا النص وإنما ثقل سردي يدار بحذر ويكشف تدريجيا، لا يمنح إلا حين تستحقه العلاقة
وفي "الأمير الصغير"، على العكس من حيث الشكل لكن على النحو ذاته من حيث الجوهر، يبدو الاسم بلا أهمية تذكر: لا الثعلب يحمل اسما، ولا الطيار يفصح عن اسمه طوال الحكاية، وحتى "الأمير الصغير" نفسه ليس اسما بقدر ما هو وصف. لكن غياب الاسم هنا أمر متعمد: يعلم الثعلب الأمير أن المعرفة الحقيقية بكائن ما لا تحتاج بطاقة تعريف اجتماعية، بل تحتاج وقتا مستثمرا وطقوسا متكررة من الاستئناس. وهكذا فإن النصين، وإن بدا أحدهما مهووسا بالاسم والآخر متجاهلا له تماما، يتقاطعان عند القناعة العميقة نفسها: أن الاسم الاجتماعي المعلن سواء أخفي حذرا كما عند أوديسيوس، أو أهمل عمدا كما عند الثعلب ليس هو ما يصنع المعرفة الحقيقية بأحد؛ فتلك المعرفة تبنى، في الحالتين، عبر الوقت والاختبار والعلاقة، لا عبر تبادل الأسماء
التقاطع الأخير، يتعلق بمصداقية الحكي ذاته داخل عالم النصين. فأوديسيوس، الذي يروي للفياكيين قصصا عن وحوش آكلة لحوم البشر وسحرة يحولون الرجال خنازير وجزائر عائمة، هو نفسه الشخصية التي يصفها النص، في مواضع أخرى كثيرة، بأنها أمهر كذاب في اليونان كلها: فحين يعود إلى إيثاكا متنكرا، يختلق أمام يومايوس، ثم أمام بينيلوبي نفسها، سيرة ذاتية كاملة مزيفة عن أصل كريتي ومغامرات لم تحدث قط، بمهارة يصفها النص بإعجاب صريح لا إدانة. وهذا يترك القارئ، بذكاء متعمد من الشاعر، في حيرة: إن كان أوديسيوس بهذه البراعة في اختلاق سير كاذبة حين يشاء، فما الذي يضمن أن روايته "الحقيقية" عن السايكلوب والسيرينات/حوريات البحر للفياكيين لم تزين هي الأخرى بلمسات الراوي البارع نفسه؟ النص لا يحسم هذا السؤال، بل يتركه معلقا عمدا.
وهذا القلق نفسه، قلق أن يشك في صدق الحكاية، يصرح به راوي "الأمير الصغير" مرارا وبصوت مسموع: يعتذر عن رسومه الرديئة، ويخشى أن يكون قد أخطأ في تفصيل أو أضاف شيئا من عنده، ويعترف صراحة بأن الكبار، حين يسمعون حكايته، سيظنونها اختلاقا طفوليا لا واقعة حقيقية. في الحالتين يعي النصان تماما أنهما يطلبان من القارئ ثقة لا يستطيع أي دليل خارجي أن يوفرها، وأن الحكاية الأكثر صدقا عاطفيا ليست بالضرورة الأكثر قابلية للتحقق واقعيا، وكلاهما يختار، رغم هذا الوعي، أن يروي على أي حال، تاركا للقارئ وحده أن يقرر أي نوع من التصديق يليق بحكاية كهذه
والمثير في هذه التقاطعات جميعا أنها لم تنشأ، على الأرجح، من أي احتكاك مباشر بين النصين: لا شيء يشير إلى أن سانت إكزوبيري كان يحاكي هوميروس عمدا. وهذا بالتحديد ما يمنح القرابة بينهما وزنها: فحين يبتكر نصان أدبيان، منفصلان كل الانفصال في الزمن واللغة والغاية، الحل الوظيفي نفسه لمشكلة إنسانية واحدة -كيف نميز الجوهر عن المظهر؟ كيف نستوعب فقداننا عبر الحكي واستعادة قدرة جسدية منسية؟ إلى أين نتوجه حين تنقطع كل العلامات الأرضية؟ وكيف ننجو من دون أن ننجو بمفردنا؟ وما الذي يمنح الكائن العابر تفرده أصلا؟- فإن هذا التقاء أصدق من أي محاكاة واعية أو تأثر مباشر، إنه يشبه ما يكتشفه عالمان مستقلان حين يصلان بتجربتين مختلفتين تماما إلى القانون نفسه
وهذه التقاطعات لكونها تختبئ في تفاصيل قد يعبرها القارئ العادي مرور الكرام -نظرة كلب محتضر، كوكبة نجمية، تردد يد ترسم خروفا، حزن في حديقة من خمسة آلاف وردة، طعم ماء استخرج بجهد الذراعين، اسم يخفى بحذر أو يهمل عن قصد، حكاية يعترف راويها بأنها قد لا تصدق- هي شهادة على القرابة البنيوية لأن التفاصيل لا تختلق لتناسب فرضية القارئ المسبقة ولكنها ببساطة موجودة هناك تؤدي وظيفتها الصغيرة سواء انتبه إليها أحد أم لم ينتبه
يتضح في النهاية أن هوميروس وسانت إكزوبيري رغم الفارق الزمني بينهما كتبا في جوهر الأمر عن الشيء نفسه: أن نرى الجوهر، أن نحكي كي لا ننسى، أن نتجه نحو ضوء بعيد لا نملك سواه، وأن نقبل في نهاية المطاف أن يد غريب هي ما سيوصلنا إلى بيوتنا، وأن الأشياء والأشخاص لا يكتسبون فرادتهم إلا حين نمنحهم وقتنا وعمرنا
