إن مقولة “يجب الفصل بين السياسة والرياضة” ليست مجرد مقولة ساذجة، بل هي خرافة أيديولوجية حديثة، وموقف سياسي بامتياز، يُراد منه الحفاظ على الوضع الراهن وإسكات أي أصوات مناهضة. فلا يمكن تجريد الإنسان من سياقه بمجرد ارتدائه قميصًا رياضيًا.
قد تكون “الحياة كلها فعل سياسي”، فلا توجد مساحة إنسانية تفلت من صراعات السلطة أو الصراعات على المعنى والموارد والاعتراف. وإذا بدت هذه المقولة، للوهلة الأولى، مبالغةً خطابيةً تسعى إلى تسييس كل شيء بلا تمييز، فإن التأمل في تاريخ كرة القدم الحديث يكشف أنها ليست كذلك، بل هي وصف دقيق لبنية الاجتماع الإنساني ذاته. فكرة القدم تحولت، عبر أكثر من قرن من الزمن، إلى واحدة من أكثر الساحات كثافةً بالمعنى السياسي في العالم المعاصر؛ فيها تتقاطع الدولة والسوق والهوية والجسد والإعلام والذاكرة الجماعية، وفيها تُعاد صياغة أسئلة السيادة والانتماء والعدالة والحرية بلغة رمزية شديدة الشعبية، وشديدة الغموض في آن.
لكن، لماذا يُعد مطلب “الفصل بين السياسة والرياضة” فعلًا سياسيًا قمعيًا؟
لأن الأيديولوجيا تكون في أوج قوتها وخطورتها عندما تدعي أنها “ليست أيديولوجيا”. فعندما تخرج المؤسسات الرياضية الكبرى (مثل الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية) لتطالب بإبقاء السياسة خارج الملاعب، فإنها تمارس، في تلك اللحظة بالذات، أقصى درجات الفعل السياسي.
فالادعاء بالحياد ليس هجرًا للسياسة، بل انحياز مبطن للسلطة المهيمنة. عندما يُطلب من اللاعبين أو الجماهير الصمت حيال قضية إنسانية أو وطنية، بحجة “عدم تسييس الرياضة”، فإن المؤسسة الرياضية، هنا، تلعب دور جهاز الشرطة الأيديولوجي الذي يحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع في الفضاء العام. ومحاولتها إفراغ الرياضة من محتواها السياسي هي محاولة لتدجين الجماهير واللاعبين، وتحويلهم إلى مجرد آلات للترفيه أو مستهلكين صامتين، وهو ما يتوافق تمامًا مع رغبات الأنظمة السلطوية ورأس المال العالمي.
عند أول اختبار حقيقي تفرضه الجغرافيا السياسية، ينكشف التناقض. التاريخ والحاضر يكشفان بوضوح أن المؤسسات الرياضية تُسيِّس الرياضة حين تشاء، وتحظر تسييسها حين يتعارض ذلك مع مصالح النخب المهيمنة.
فمثلًا، لم تتردد الفيفا والاتحاد الأوروبي لكرة القدم في إيقاف الأندية والمنتخبات الروسية بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، أضيئت الملاعب بألوان العلم الأوكراني، وصدرت البيانات الداعمة بشكل رسمي. هنا، كانت السياسة حاضرة، بل ومرحبا بها، ومفروضة من أعلى الهرم المؤسسي؛ لأنها تتماشى مع الإرادة السياسية للمعسكر الغربي.
وفي المقابل، عندما يرفع لاعب عربي قميصًا تضامنيًا مع غزة، أو عندما ترفع جماهير سلتيك الاسكتلندي أعلام فلسطين، أو حين يظهر اللاعبون تضامنًا مع قضايا تخص شعوب دول الجنوب العالمي، تتدخل لجان الانضباط فورا لفرض عقوبات وغرامات قاسية، بذريعة منع تسييس الرياضة. هذا التناقض يثبت أن المؤسسة الرياضية لا ترفض السياسة بحد ذاتها، بل ترفض السياسة المعادية لهيمنتها، أو التي تزعج شركاءها وحلفاءها.
تحاول الرأسمالية الرياضية اختزال الرياضي في جسده البيولوجي ومهارته الحركية، مجردةً إياه من وعيه وعقله. تتجلى هذه النظرة الاستعلائية في العبارة الشهيرة التي وُجهت لنجم كرة السلة ليبرون جيمس: “اصمت ونطط الكرة” (Shut up and dribble)، حين انتقد الرئيس الأمريكي ترامب في 2018، على الرغم من اختلاف موقف ليبرون في 2019، حين وصف تغريدة داريل موري، المدير التنفيذي لنادي هيوستن روكتس آنذاك، الداعمة لاحتجاجات هونج كونج، بأنه غير مطلع بما فيه الكفاية.
لكن يمتلك الرياضي جسدًا هو، في حد ذاته، “موقع للاشتباك السياسي”. فمواقف مثل رفض محمد علي كلاي التجنيد في حرب فيتنام، وتأسيس اللاعب البرازيلي “سقراط” حركة “ديمقراطية كورينثيانز” في ثمانينيات القرن الماضي، حيث كان اللاعبون يصوتون على كل قرارات النادي، مما جعل الحركة مساحة مقاومة سياسية للديكتاتورية العسكرية في البرازيل. تثبت -هذه المواقف- صعوبة فك الارتباط بين هموم المواطن وموهبة الرياضي. فاللاعب ليس أداة ترفيهية تعمل بزر تشغيل وإيقاف، بل يظل ذاتًا سياسية تتنفس هموم مجتمعها.
لماذا، إذًا، يستميت أصحاب النفوذ في الترويج لمقولة الفصل بين الرياضة والسياسة؟
حولت الرأسمالية الحديثة كرة القدم إلى “صناعة فرجة”. هذه الصناعة تتطلب مستهلكًا مسترخيًا، جاهزًا لتلقي الإعلانات التجارية وشراء البضائع. إن إدخال السياسة، والمطالبة بالعدالة، واستحضار دماء الضحايا أو حقوق العمال والمرأة إلى المدرجات، يفسد هذه “الفرجة الاستهلاكية”. إنه يوقظ المشجع من غيبوبته الترفيهية، ويذكره بواقعه المرير. لذلك، يطالب الرعاة التجاريون وأصحاب المليارات ببيئة خالية من السياسة، دفاعا عن الأرباح التي يهددها الوعي الجماهيري الناقد، وليس محاولةً لحماية نقاء الرياضة.
في اليونان القديمة، كانت الـ”أغورا” (Agora) هي الساحة العامة التي يجتمع فيها المواطنون للنقاش واتخاذ القرارات السياسية. في عالمنا المعاصر، حيث تمت محاصرة الساحات العامة وقمع التجمعات في العديد من الدول، تحولت ملاعب كرة القدم إلى أغورا بديلة تعبر فيها الجماهير عن مواقفها السياسية والاجتماعية بعدما ضاقت بها الساحات العامة.
يكاد المدرج يكون آخر الفضاءات العامة المتبقية حيث تتجمع فيه عشرات الآلاف من الحناجر لتغني بصوت واحد أناشيد الملاعب (مثل نشيد “في بلادي ظلموني” لجمهور الرجاء المغربي، أو أهازيج الأولتراس في مصر وتونس وباقي دول العالم) التي تحولت إلى بيانات سياسية تُتلى في وجه السلطة. والمطالبة بفصل الرياضة عن السياسة تعني إغلاق هذه الأغورا، وتكميم هذه الحناجر، ومصادرة المساحة الأخيرة المتبقية للتعبير الجمعي.
حين عرّف أرسطو الإنسان في كتابه “السياسة” بأنه (Zoon Politikon)، أي حيوان سياسي/مدني، كان يقصد أن الإنسان لا يكتمل إنسانيًا إلا داخل المدينة (poleis)، وأن غاية الاجتماع البشري ليست مجرد البقاء، بل “الحياة الهانئة” التي لا تتحقق إلا في فضاء مشترك يتداول فيه الناس الخطاب حول العدالة والخير والمصلحة العامة. إذ أن المدينة عند أرسطو ليست مجرد تجمع سكاني، بل هي كيان أخلاقي وسياسي يتشكل عبر المشاركة في الحكم والتداول.
إذا تأملنا الملعب الكروي من هذا المنظور الأرسطي، نجد أنه يعيد، بصورة مصغرة، إنتاج بنية المدينة: فيه جمهور يتشارك مكانًا وزمانًا محددين، وفيه قواعد يلتزم بها الجميع طوعًا، وفيه تراتبية أدوار (اللاعب، الحكم، المدرب، الإداري، المشجع)، وفيه احتفال جماعي بالانتصار، وحداد جماعي على الهزيمة، يشبه إلى حد بعيد الطقوس السياسية للمدينة القديمة. لكن الفارق الجوهري هو أن الملعب ليس فضاءً للتداول العقلاني، بالمعنى الأرسطي أو الهابرماسي - نسبة إلى يورغن هابرماس - بل غالبًا فضاءً للانفعال الجمعي، حيث يُستبدل الخطاب بالهتاف، والحجة باللافتات.
ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي الطابع السياسي للملعب، بل يعيد تعريفه: فالسياسة لا تختزل في التداول العقلاني، بل جوهرها -حسب كارل شميت- التمييز بين الصديق والعدو. وهذا التمييز هو، بالضبط، ما يبنيه الملعب الكروي بأقصى درجات الوضوح: “نحن” في مواجهة “هم”، وفريقنا في مواجهة الفريق الآخر، ووطننا في مواجهة الوطن المنافس. حين يواجه منتخب إيران منتخب الولايات المتحدة في كأس العالم، فإن المباراة تتحول إلى إعادة تمثيل رمزية لصراع سياسي حقيقي. فالآخر/العدو هنا لا يعرف باعتبارات أخلاقية أو اقتصادية فحسب، بل بوصفه الآخر الوجودي المختلف الذي تتحدد الهوية الجماعية “نحن” في مواجهته “هو”.
لكن الملعب، في لحظات أخرى، يمكن أن تسود فيه حالة فوضى المدرجات، كما حدث في مآسي “هيسل” 1985، و”هيلزبره” 1989، و”بورسعيد” 2012، و”استاد الدفاع الجوي” 2015، فتُعيد إنتاج ما وصفه هوبز بـ”حالة الطبيعة”، التي يكون فيها الإنسان في حرب الكل ضد الكل.
لذلك، فإن اللعبة تحتاج، كما تحتاج المدينة السياسية، إلى سلطة حاكمة مركزية (الفيفا، الاتحادات، الحكم)، تحتكر شرعية العنف الرمزي (البطاقات، الطرد، العقوبات)، لضمان استمرار اللعبة ذاتها. وهنا، يتجلى البعد السياسي لكرة القدم: فهي، مثل المجتمع السياسي نفسه، تقوم على توازن هش بين الحرية (حرية اللعب، والإبداع، والارتجال) والقانون (القواعد التي تكبح هذه الحرية، وتجعلها ممكنة اجتماعيًا). وكما يقول جان جاك روسو في “العقد الاجتماعي”، فإن الحرية الحقيقية لا تكون بالتحرر من كل قيد، بل بالخضوع لقانون وضعه الفرد على نفسه، بمشاركته في الإرادة العامة؛ وهذا، بالضبط، ما يفعله اللاعب حين يلتزم بقواعد لعبة اختار الانخراط فيها بمحض إرادته، فتغدو القاعدة شرطًا لحريته، لا نقيضًا لها.
بينما رأى هوبز أن الأفراد يتنازلون عن كامل حريتهم الطبيعية لسلطة مطلقة، درءًا للفوضى، رأى لوك أن العقد الاجتماعي مشروط، وأن السلطة السياسية تستمد شرعيتها من موافقة المحكومين، ومن التزامها بحماية الحقوق الطبيعية للأفراد (الحياة، والحرية، والملكية)، وأن للمحكومين حق مقاومة السلطة إن أخلت بهذا الشرط. وهذا التصور يجد صداه في الحقل الكروي، حين تتمرد الجماهير أو اللاعبون على الهيئات الحاكمة للعبة، إذا تجاوزت حدود شرعيتها المفترضة. فمشروع “دوري السوبر الأوروبي” (European Super League)، الذي أعلنه اثنا عشر ناديًا أوروبيًا عام 2021، بمعزل عن الاتحادات التقليدية، وبمنطق تجاري صرف يستبعد مبدأ الاستحقاق الرياضي التنافسي، قوبل برفض اضطر أغلب الأندية للتراجع خلال أيام، في مشهد يمكن قراءته بوصفه لحظة “مقاومة لوكية” نموذجية؛ جماهير رأت أن “العقد الضمني” الذي يربطها بالنادي وبمنطق اللعبة التنافسي قد انتُهِك من قبل سلطة رأس المال، فمارست حقها في الرفض والمقاومة العلنية، حتى استعادت، ولو جزئيًا ومؤقتًا، التوازن المختل للسلطة.
وإذا كان العقد الاجتماعي عند هوبز ولوك وروسو يفسر نشأة السلطة، فإن مفهوم الهيمنة عند غرامشي يفسر كيفية استمرارها. فمفهوم “الهيمنة”، الذي قدمه أنطونيو غرامشي، يساعد في فهم الوظيفة السياسية لكرة القدم. فبخلاف الفهم اﻻختزالي للسلطة، بوصفها إكراهًا مباشرًا وقهريًا، يرى غرامشي أن الطبقة المسيطرة تحافظ على سيطرتها، بشكل أساسي، عبر إنتاج إجماع ثقافي وأخلاقي وفكري يجعل الجماهير الخاضعة تتبنى، طوعًا، القيم والرؤى التي تخدم مصالح المسيطرين، وكأنها “الفطرة السليمة” أو “الحس المشترك” الطبيعي للأشياء. والهيمنة تُنتَج ويُعاد إنتاجها عبر “المجتمع المدني”: المدرسة، والكنيسة، والإعلام، والنقابات، ومؤسسات الترفيه الجماهيري، وفي مقدمتها الرياضة وكرة القدم.
كرة القدم، من هذا المنظور، تؤدي وظيفة مزدوجة ودقيقة: فهي، من جهة، أداة تصريف للطاقة الاحتجاجية والغضب الطبقي، إذ تمنح الجماهير الكادحة متنفسًا انفعاليًا أسبوعيًا يستهلك فائض غضبها الاجتماعي في هتافات المدرجات، بدلًا من أن يتحول إلى وعي طبقي ثوري؛ ومن جهة أخرى، أداة لبناء إجماع وطني وطبقي عابر، يخفي التناقضات الحقيقية بين رأس المال والعمل، خلف واجهة “الانتماء المشترك” للفريق أو الأمة. حين يقف عامل المصنع وصاحب المصنع جنبًا إلى جنب، يهتفان لنفس الفريق، تتراءى وحدة وطنية زائفة تحجب واقع الاستغلال الطبقي القائم بينهما خارج أسوار الملعب.
لكن الهيمنة ليست عملية أحادية الاتجاه، من أعلى إلى أسفل، بل هي ميدان صراع مستمر تُنتزع فيه اللحظات المضادة والمقاومة داخل الحقل الثقافي نفسه. وهنا يصبح الملعب أيضًا فضاءً يمكن أن تنبثق منه أشكال من “الهيمنة المضادة”. فالألتراس في مصر وتونس تحولوا، في لحظات تاريخية فارقة - الربيع العربي أبرز مثال - من مستهلكين سلبيين للإجماع الرياضي إلى فاعلين سياسيين مباشرين، ناقلين معهم خبرتهم التنظيمية في المدرجات (التنسيق الجماعي، ومقاومة الشرطة، وإنتاج الشعارات والأهازيج) إلى الميادين والساحات. فجماعات مثل “ألتراس أهلاوي” و”وايت نايتس” في مصر لم تكونا مجرد جمهور كروي، بل قوة تنظيمية لعبت دورًا مباشرًا في مواجهات ميدان التحرير عام 2011، وهو ما يفسر، جزئيًا، القمع الشديد الذي تعرضت له هذه الجماعات لاحقًا، وذروته مجزرة استاد بورسعيد عام 2012، ثم الدفاع الجوي 2015، ويمكن وصف هذه المجازر بأنها كانت شكل من أشكال التأديب السياسي.
هذا التوتر بين الهيمنة والمقاومة يكشف قصور أي قراءة أحادية لكرة القدم بوصفها مجرد أفيون آخر للشعوب. فهي، في آن واحد، أداة تخدير وأداة تعبئة، وأداة إجماع وأداة انشقاق، وهذا بالضبط ما يجعلها حقلًا سياسيًا بامتياز، لا مجرد انعكاس سلبي للسياسة. ولعل هذا بالضبط ما قصده غرامشي حين وصف الهيمنة بأنها ليست حالة نهائية ثابتة، بل توازن قوى متحرك، دائم التفاوض، يستلزم من الطبقة المسيطرة تجديد شرعيتها باستمرار عبر التنازلات الجزئية، والاستيعاب الجزئي لمطالب الفئات المهيمن عليها، بدل الاعتماد على القمع المباشر وحده، الذي يكشف بسرعة هشاشة أي نظام هيمنة لا يمتلك قاعدة إجماعية حقيقية.
وتقدم تونس مثالًا موازيًا بالغ الأهمية لهذه الديناميكية الغرامشية المزدوجة. فالألتراس في تونس، وغيرها من مجموعات المدرجات التونسية، كانت قد طورت، قبل اندلاع الثورة بسنوات، ثقافة تنظيمية وأغاني احتجاجية ذات مضمون اجتماعي وسياسي صريح ينتقد الفساد، والبطالة، وقمع الشرطة، في ظل نظام بن علي، الذي كان يراقب بدقة كل أشكال التعبير السياسي التقليدي (الأحزاب، والصحافة، والنقابات)، بينما ترك هامشًا أوسع، نسبيًا، لهذا الفضاء الكروي الذي بدا له “غير سياسي” بطبيعته الظاهرية. غير أن الأحداث أثبتت، لاحقًا، خطأ هذا التقدير الأمني. فحين اندلعت الاحتجاجات في ديسمبر/كانون الأول 2010، عقب حادثة محمد البوعزيزي، كانت شبكات الألتراس التونسية من بين أكثر التنظيمات الشبابية جاهزية للانخراط الميداني المباشر، بخبرتها المتراكمة في المواجهة مع قوات الأمن، وتنظيم التحركات الجماعية السريعة، وهو ما تكرر لاحقًا في مصر عام 2011.
يعرف كارل شميت السيادة بمقولته: “السيد هو من يقرر الاستثناء”. وحالة الاستثناء، عنده، هي اللحظة التي يتوقف فيها سريان القانون العادي لتحل محله سلطة تقرر، بشكل مباشر، خارج الإطار القانوني المعتاد، من أجل حماية النظام ذاته. وقد طور جورجيو أغامبين هذا المفهوم، مبينًا كيف تحولت حالة الاستثناء من إجراء طارئ إلى نموذج حاكم للسياسة الحديثة ذاتها، حيث تعلق الدولة القانون باستمرار، باسم حمايته، منتجة ما يسميه “الحياة العارية”، أي الحياة المجردة من الحماية القانونية والسياسية، والقابلة للإخضاع المباشر لسلطة السيادة.
كرة القدم توفر أمثلة على منطق حالة الاستثناء هذا. فحين تستضيف دولة كأس العالم، تعلق - ولو مؤقتًا وجزئيًا - بعض القواعد القانونية والحقوقية المعتادة، بحجة نجاح التنظيم، وتسن تشريعات استثنائية لحماية الرعاة الرسميين، وتعزز الصلاحيات الأمنية للشرطة بشكل استثنائي. وتشهد عمليات تهجير قسري للفقراء قرب مناطق الملاعب، كما حدث في جنوب أفريقيا 2010، والبرازيل 2014، وأزمات حقوق الإنسان والعنصرية في روسيا 2018، وحقوق العمال المهاجرين في قطر، الذين بنيت الملاعب على أكتافهم، وأحيانًا على أجسادهم. وقد وثقت تحقيقات صحفية دولية وفيات بين العمال المهاجرين خلال فترة إنشاء البنية التحتية المرتبطة بالمونديال، مع استمرار الجدل حول مدى ارتباط كل حالة مباشرة بمشروعات البطولة.
وهذا تجسيد حرفي لمفهوم أغامبين عن “الحياة العارية”: جسد منتج، خاضع لسلطة الدولة والشركة المشغلة، لكنه مجرد، إلى حد كبير، من الحماية القانونية الفعلية، ومرئي فقط بوصفه أداة إنتاج، لا بوصفه ذاتًا سياسية كاملة الحقوق.
كما يمكن تحليل سلطة الحكم داخل الملعب نفسها. فالحكم يملك، للحظة قرار البطاقة الحمراء أو ركلة الجزاء المثيرة للجدل، سلطة شبه سيادية تشبه ما وصفه شميت بالقرار السيادي، الذي لا يستمد شرعيته الكاملة من نص القانون، بل من فعل القرار ذاته في لحظة الاستثناء (كما في حالات تقنية الفيديو المساعد VAR، التي أثارت جدلًا فلسفيًا حقيقيًا حول العلاقة بين اليقين التقني والسلطة التأويلية البشرية). وقد تصاعد هذا الجدل مع إدخال التقنية، إذ ظهر سؤال جديد: هل تلغي الآلة سلطة القرار السيادي البشري، أم تعيد إنتاجها في هيئة جديدة أكثر تعقيدًا، حيث تصبح “الحقيقة” التقنية ذاتها موضع تأويل وقرار بشري نهائي؟
وعلى مستوى آخر، فإن الدولة القومية ذاتها تجد في كرة القدم مسرحًا لإعادة تمثيل سيادتها الرمزية. فالمنتخب الوطني هو تجسيد حي للأمة المتخيلة، وفق مفهوم بندكت أندرسون عن الأمة بوصفها “جماعة متخيلة”: ملايين الأفراد الذين لن يلتقوا أبدًا، يتوحدون لحظيًا في شعور جماعي بالانتماء عبر مشاهدة أحد عشر لاعبًا يرتدون قميص الوطن. وهذا الشعور، رغم كونه “متخيلًا” بالمعنى الذي يقصده أندرسون، أي غير قائم على معرفة مباشرة متبادلة بين أفراده، ليس أقل واقعية أو أقل قوة سياسية من أي شكل آخر من أشكال الهوية الوطنية.
تمثل كرة القدم مادة خصبة لفهم آليات بناء القومية. فالمنتخبات الوطنية ليست مجرد فرق رياضية، بل هي أدوات لصناعة رموز وطنية حديثة تقدم للجمهور وكأنها امتداد طبيعي وأصيل لتاريخ عريق، بينما هي، في الغالب، بناءات حديثة نسبيًا ارتبطت بصعود الدولة القومية في القرنين التاسع عشر والعشرين. النشيد الوطني الذي يعزف قبل المباراة، والعلم الذي يرفع، والألوان التي يرتديها اللاعبون، كلها طقوس تعيد “شحن” الشعور القومي وتجديده، بما يشبه ما وصفه إميل دوركهايم بالانفعال الجمعي الذي تعيد الطقوس عبره تجديد التضامن اﻻجتماعي للمجموعة عبر ممارسات احتفالية مشتركة.
لكن هذه القومية الكروية ليست أحادية المعنى، فهي تتراوح بين قطبين متناقضين: قومية تحررية مقاومة، من جهة، وقومية شوفينية إقصائية، من جهة أخرى. ففي حالات كثيرة، شكلت كرة القدم أداة مقاومة ضد الاستعمار والهيمنة الخارجية. والمثال الجزائري هنا بالغ الدلالة.
لم يكن فريق جبهة التحرير الوطني الجزائرية لكرة القدم، الذي تشكل عام 1958 بأغلبية من لاعبين جزائريين محترفين في الدوري الفرنسي تركوا أنديتهم الفرنسية والتحقوا بالثورة، مجرد فريق رياضي، بل كان سلاحًا رمزيًا استخدمته الثورة لإثبات وجود أمة جزائرية مستقلة عن الهوية الفرنسية على الساحة الدولية، قبل أن يعترف بهذا الوجود سياسيًا وقانونيًا. لعب هذا الفريق المباريات حول العالم، خصوصًا في الدول الاشتراكية، والعربية، والأفريقية المتعاطفة مع حركات التحرر، محققًا ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الموازية، التي سبقت الاستقلال الرسمي بأربع سنوات.
وبالمقابل، حين لعبت فرنسا نفسها أمام الجزائر عام 2001، في مباراة ودية لأول مرة بعد الاستقلال، اضطر الحكم إلى إيقاف المباراة بعد أن اقتحم عشرات الشبان من أصول جزائرية أرض الملعب في اللحظات الأخيرة، في مشهد قُرئ، على نطاق واسع، بوصفه تعبيرًا عن أزمة اندماج غير محلولة للجالية الفرنسية-الجزائرية. ولكن الحقيقة هي استمرار جراح الاستعمار وحرب التحرير الجزائرية في الذاكرة الجماعية، رغم مرور أربعة عقود على الاستقلال. هذه اللحظة تجسد ما تسميه آن ماكلينتوك “استمرارية الكولونيالية” حتى بعد الاستقلال الرسمي، حيث تظل بنى الإقصاء والتمييز فاعلة داخل مجتمع ما بعد المستعمر ذاته.
ومثال آخر، مباراة “حرب كرة القدم” بين هندوراس والسلفادور عام 1969، حيث تصاعدت التوترات الحدودية، والهجرة غير الشرعية، والنزاعات الاقتصادية القائمة أصلًا بين البلدين، إلى أن اندلعت حرب فعلية استمرت أيامًا قليلة عقب مباريات التصفيات المؤهلة لكأس العالم. ورغم أن المؤرخين متفقون على أن المباراة لم تكن السبب الجوهري للحرب، بل كانت شرارة أطلقت توترات بنيوية عميقة سابقة، فإن هذه الحادثة تبقى شاهدًا على قدرة كرة القدم على أن تصبح، في لحظات الأزمة، ساحة تكثيف رمزي للصراعات القائمة أصلًا، بما يؤكد أطروحة شميت عن أن التمايز بين الصديق والعدو يمكن أن يتلبس أي شكل من أشكال النشاط الإنساني، حين تبلغ التوترات الاجتماعية ذروتها.
يمكن أن نستحضر هنا أيضًا جان جاك روسو، ومفهومه المحوري عن “الإرادة العامة”، التي يميزها روسو عن مجرد “إرادة الجميع: مجموع الإرادات الفردية المتفرقة”. فالإرادة العامة، عنده، هي تلك الإرادة الجماعية التي تتجاوز المصالح الفردية الجزئية نحو ما يخدم الصالح المشترك للجماعة السياسية ككل، وهي أساس الشرعية السياسية في تصوره للعقد الاجتماعي. ولحظة الاحتفال الجماهيري بفوز المنتخب الوطني تبدو تجسيدًا مثاليًا لهذه “الإرادة العامة”: ملايين الأفراد ذوي الانتماءات المتباينة، بل والمتصارعة أحيانًا في الحياة اليومية، يتوحدون للحظة عابرة في شعور جماعي واحد، يتجاوز، ولو مؤقتًا، كل انقساماتهم الداخلية. لكن هذا التوحد اللحظي يظل، توحدًا زائفًا وهشًا بقدر ما هو حقيقي ومؤثر؛ فهو “إرادة عامة” مصطنعة ومؤقتة، تنتج عبر آلية إعلامية واحتفالية مدروسة، لا إرادة عامة أصيلة تنبثق من تداول سياسي حر وتشاركي حول المصلحة المشتركة الفعلية للجماعة. وسرعان ما تتبدد هذه الوحدة الزائفة بعد انتهاء البطولة، لتعود الانقسامات الطبقية والسياسية إلى الظهور من جديد، بل وقد تتضاعف حدتها أحيانًا حين يستغل هذا “التوحد” المؤقت سياسيًا من قبل أنظمة حاكمة، لتبرير سياسات قمعية لاحقة باسم “الوحدة الوطنية” التي أثبتها الاحتفال الكروي الجماهيري.
وفي المقابل، لأمثلة القومية الإقصائية، تقدم كوت ديفوار مثالًا لتوظيف كرة القدم في خدمة السلم الأهلي، بدل تأجيج الصراع. ففي خضم الحرب الأهلية الإيفوارية، التي قسمت البلاد بين شمال وجنوب بين عامي 2002 و2007، وجه نجم المنتخب الوطني ديدييه دروغبا نداء تلفزيونيًا مباشرًا، مع زملائه، عقب تأهل بلاده التاريخي لكأس العالم 2006، طالب فيه الأطراف المتحاربة بإلقاء السلاح والمصالحة، في لحظة يعتقد، على نطاق واسع، أنها ساهمت فعليًا في تسريع مسار وقف إطلاق النار. وتكرر هذا الدور الرمزي حين أصر دروغبا على نقل مباراة رسمية للمنتخب عام 2007 من العاصمة أبيدجان إلى مدينة بواكي، المعقل الرئيسي للمتمردين في الشمال، في خطوة رمزية لتوحيد البلاد عبر الملعب. هذا المثال يذكرنا بأن الطاقة السياسية الهائلة ليست محكومة سلفًا بأن تكون أداة هيمنة أو صراع فحسب، بل يمكن، في ظروف تاريخية استثنائية، وبفعل إرادة فردية وجماعية واعية، أن توظف أيضًا كأداة لبناء إجماع وطني حقيقي، يتجاوز، ولو مؤقتًا، الانقسامات الدموية القائمة.
ولا يمكن فهم كرة القدم المعاصرة بمعزل عن الرأسمالية المعولمة ومنطق تراكم رأس المال. فقد تحولت اللعبة، التي نشأت كنشاط ترفيهي للطبقة العاملة، إلى صناعة عالمية تقدر عائداتها السنوية بعشرات المليارات من الدولارات، وتحولت الأندية الكبرى إلى أصول استثمارية تدار وفق منطق الشركات متعددة الجنسيات، لا وفق منطق الانتماء المحلي الذي نشأت عليه.
ولفهم هذا التحول، يمكن الاستعانة بمفاهيم الاغتراب وتقديس السلعة عند ماركس، حيث تتخفى العلاقات الاجتماعية الحقيقية بين البشر المنتجين خلف واجهة الشيء أو السلعة، التي تبدو وكأنها تملك قيمة ذاتية مستقلة عن العمل البشري الذي أنتجها. وهذا بالضبط ما يحدث في كرة القدم المعاصرة: فاللاعب نفسه يتحول إلى سلعة تشترى وتباع في سوق الانتقالات بمبالغ خيالية، وتقاس “قيمته السوقية” بمنطق البورصة أكثر من منطق الموهبة الإنسانية المجردة، بينما يغيب من الصورة العامة كل ما يتعلق بشروط إنتاج هذه “السلعة”: سنوات التدريب القاسي منذ الطفولة، وأكاديميات الكشف عن المواهب في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، التي تعمل أحيانًا بمنطق استغلالي أقرب إلى “تجارة/تسليع الأجساد” منها إلى الرعاية التربوية، ونسبة الفشل الهائلة بين آلاف الأطفال الذين يستنزفون في هذا النظام، مقابل نجاح أعداد قليلة جدًا منهم.
كذلك يمكن النظر إلى الجماهير نفسها بوصفها “مستهلكين”. فقد تحول المشجع التقليدي المرتبط بالنادي المحلي، عبر جيل بعد جيل، إلى “مستهلك عالمي” يمكنه أن يختار “تشجيع/استهلاك هوية رياضية جديدة” نادٍ على الطرف الآخر من الكرة الأرضية، بناءً على حملة تسويقية أو حضور إعلامي. لقد تحول الانتماء الرياضي إلى منتج استهلاكي معولم، قابل للتوحيد والتنميط، تمامًا كما توحد سلاسل الوجبات السريعة نمط الاستهلاك الغذائي عالميًا.
ويمكن أن نضيف إلى هذا مفهوم “التراكم بنزع الملكية” (Accumulation by Dispossession)، الذي طوره ديفيد هارفي لوصف آليات النيوليبرالية المعاصرة في نزع الموارد والأصول العامة والجماعية لصالح تركزها في أيدي قلة من الملاك. يمثل استحواذ رجال أعمال ومستثمرين أثرياء، وصناديق ثروة سيادية، وشركات استثمارية على الأندية الكروية العريقة، تجسيدًا مباشرًا لهذا “التراكم بنزع الملكية”. ومن أبرز الأمثلة: استحواذ عائلة غلازر الأمريكية على نادي مانشستر يونايتد عام 2005، عبر عملية استدانة أثقلت النادي بديون ضخمة لتمويل عملية الشراء ذاتها، أو استحواذ الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش على نادي تشيلسي عام 2003، بثروة ثار جدل واسع حول مصادرها في سياق الخصخصة الفوضوية لروسيا ما بعد السوفييتية.
فالنادي، الذي كان تاريخيًا مؤسسة شبه جماعية مملوكة رمزيًا لجمهورها ولمجتمعها المحلي، يتحول إلى أصل مالي خاص قابل للتداول واﻻستثمار ويخضع لمنطق تعظيم الربح ذاته الذي يحكم أي شركة عابرة للحدود، بمعزل تام، أحيانًا، عن إرادة الجمهور الذي ساهم في بناء قيمته الرمزية والتاريخية أصلًا عبر أجيال من الولاء غير المشروط.
هذا التحول يفضي إلى ظاهرة سياسية أخرى، وهي إعادة إنتاج التفاوت الطبقي عبر ارتفاع أسعار التذاكر، وتحول الملاعب من فضاءات شعبية إلى فضاءات “ضيافة مؤسسية” (Corporate Hospitality)، حيث يستبعد تدريجيًا الجمهور التقليدي من الطبقة العاملة، الذي بنى ثقافة النادي أصلًا عبر عقود، لصالح جمهور أكثر ثراءً يبحث عن تجربة استهلاكية، لا عن انتماء مجتمعي عضوي. وهذا التحول يشبه ظاهرة التحضير العمراني (Gentrification)، التي تقصي سكان الأحياء الشعبية الأصليين لصالح طبقات أكثر ثراء.
ولا يكتمل الحديث عن العولمة الكروية دون التوقف عند “قانون بوسمان”، الصادر عن محكمة العدل الأوروبية عام 1995، والذي ألغى القيود التي كانت تفرضها الأندية الأوروبية على عدد اللاعبين الأجانب من دول الاتحاد الأوروبي، ومنح اللاعبين حرية الانتقال بلا مقابل مالي بعد انتهاء عقودهم. هذا القانون، الذي استند إلى مبدأ “حرية تنقل العمال” المنصوص عليه في معاهدات الاتحاد الأوروبي، ساهم في تحرير اللاعبين من نظام شبه إقطاعي كان يمنح الأندية سلطة شبه مطلقة على مصير محترفيها، حتى بعد انتهاء عقودهم؛ لكنه، في الوقت ذاته، سرع بشكل هائل من عولمة سوق العمل الكروي، وفتح الباب أمام تدفق غير مسبوق للاعبين من أفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا نحو الدوريات الأوروبية الغنية، في نمط هجرة عمالية يعيد إنتاج علاقات التبعية الاقتصادية بين المركز الأوروبي و”الأطراف” في الجنوب العالمي. فالمواهب الرياضية الخام تستخرج من القارة الأفريقية، بتكلفة زهيدة نسبيًا، عبر شبكة أكاديميات ووكلاء لاعبين، غالبًا ما تتهم بممارسات استغلالية شبه استعمارية قريبة من “تجارة الرقيق الحديثة”، لتعاد معالجتها وتسويقها وبيعها بأضعاف مضاعفة في السوق الأوروبية، بينما تظل البنية التحتية الرياضية في بلدان المنشأ الأفريقية تعاني من نقص استثمار مزمن، في دورة تعيد إنتاج علاقة استغلال اقتصادي شبيهة بعلاقة المستعمرة بالمتروبول، وإن كانت بأدوات أكثر نعومة من الاستعمار المباشر.
يقدم ميشيل فوكو في “المراقبة والمعاقبة” مفهوم المجتمع الانضباطي، حيث تمارس السلطة لا بالقمع المباشر، بل عبر تقنيات دقيقة لتنظيم الأجساد وتوزيعها في المكان والزمان: الجدولة، والمراقبة الهرمية، والفحص المستمر، والتطبيع. ولاحقًا، يوسع فوكو تحليله للسياسة الحيوية ليشمل كيفية إدارة السلطة الحديثة للحياة ذاتها على مستوى السكان: الصحة، والخصوبة، وطول العمر، واللياقة البدنية.
كرة القدم المعاصرة نموذج بالغ الدقة لهذا “الانضباط الحيوي”. حيث يمثل الاحتراف الرياضي نقطة التقاء بين هذين المستويين: انضباط الجسد الفردي، وإدارة حياة الرياضي بوصفه موردا حيويا. فجسد اللاعب المحترف اليوم يخضع لمراقبة تكنولوجية شاملة: أجهزة تتبع كل حركة على الملعب وخارجه، وأجهزة تحليل بيانات تقيس معدل ضربات القلب، والمسافة المقطوعة، وسرعة الركض إلى أدق التفاصيل، وأنظمة غذائية ونوم صارمة تدار بواسطة خبراء متخصصين، وحتى الحياة الشخصية للاعب، وعلاقاته الاجتماعية، واستخدامه لوسائل التواصل، وعاداته اليومية، تخضع لرقابة الأندية للحفاظ على الأداء، فيعاد تشكيل جسده بالكامل عبر تقنيات السلطة، ليصبح منتجًا وقابلًا للتنبؤ والتحكم، حتى وإن بدا، في الظاهر، متمتعًا بحرية إبداعية استثنائية أثناء اللعب.
إن الرأسمالية لا تكتفي بإنتاج السلع المادية، بل تمتد لتنتج الثقافة والترفيه وفق منطق صناعي موحد ومعياري، ينتج تسلية زائفة تبدو متنوعة ومختلفة في ظاهرها، بينما هي في جوهرها منمطة، مصممة لتحييد القدرة النقدية للجمهور وإدماجه في دورة استهلاك سلبي متكرر. وكرة القدم التلفزيونية المعاصرة، بتحليلاتها المعادة صياغتها بقوالب جاهزة، وتحويلها إلى محتوى ترفيهي متواصل عبر منصات البث والقنوات المتخصصة على مدار الساعة، تجسد بدقة ما وصفه أدورنو وهوركهايمر في “جدلية التنوير” بصناعة الثقافة (Culture Industry)، التي تحول حتى اللحظات العفوية الأكثر إثارة إلى منتج قابل لإعادة التدوير الترويجي بلا نهاية، بحيث يصبح الفوز والخسارة، والفرح والحزن الجماعي، مادة خام لصناعة محتوى تجاري لا ينتهي.
أما وسائل الإعلام، فتضطلع بدور مضاعف في هذا النظام الانضباطي: فهي، من جهة، أداة “الفرجة” بالمعنى الذي طوره جي ديبور في “مجتمع الفرجة”، حيث تتحول العلاقات الاجتماعية الحقيقية إلى صور وتمثيلات تستهلك سلبًا، بحيث يغدو التمثيل أكثر حضورا من الواقع ذاته. أي ظهور الفريق على الشاشة، وظهور اللاعب في الإعلانات، يصبح أكثر واقعية من الواقع نفسه.
يبين بيير بورديو، عبر كتابه “التميز”، كيف تعمل الأذواق الثقافية والرياضية بوصفها علامات طبقية دقيقة تعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية عبر آليات تبدو طبيعية أو “شخصية” بحتة، بينما هي، في جوهرها، محكومة ببنية الهابيتوس -أي منظومة العادات، والمواقف، والقيم، والميول التي المتجذرة في الفرد نتيجة نشأته الاجتماعية وتجربته الحياتية- الطبقي، الذي يكتسبه الفرد منذ طفولته.
ففي كثير من المجتمعات الأوروبية، ظل هناك تمايز طبقي واضح، تاريخيًا، بين كرة القدم بوصفها رياضة الطبقة العاملة الشعبية، وبين رياضات أخرى، مثل التنس، والغولف، والتجديف، التي ارتبطت تاريخيًا بالطبقة الوسطى والعليا عبر تكلفتها الأعلى، وارتباطها بنوادٍ خاصة حصرية، ومدارس نخبوية. وهذا التمايز الطبقي في اختيار الرياضة ذاتها، ليس محض صدفة اقتصادية، بل هو آلية دقيقة لإعادة إنتاج التمايز الاجتماعي ذاته عبر الجسد. فحتى طريقة استخدام الجسد وأسلوب الحركة -اللياقة الخشنة العدوانية لكرة القدم الشعبية، مقابل أناقة لمسة مضرب التنس البرجوازي- تصبح علامة رمزية تميز الطبقات عن بعضها بعضًا، وتعيد إنتاج شرعية هذا التمايز في أعين المجتمع ذاته، بحيث يبدو الفارق الطبقي وكأنه فارق ذوقي أو شخصي/طبيعي، بينما هو، في العمق، نتاج مباشر لبنية توزيع رأس المال الاقتصادي والثقافي غير المتكافئة أصلًا.
لقد انتشرت كرة القدم عالميًا عبر مسارات الإمبراطورية البريطانية والاستعمار الأوروبي؛ نقلها البحارة، والتجار، والمبشرون، والموظفون الاستعماريون إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، كأثر جانبي للمهمة الحضارية المزعومة. ولاحقًا، تبنتها النخب المحلية والشعوب المستعمرة، ثم أعادت توظيفها كأداة لمقاومة الاستعمار ذاته وإثبات الذات الوطنية أمام المستعمر.
إن دمج الأجساد السوداء في المنتخبات الأوروبية لا يلغي، بالضرورة، البنى العنصرية الكامنة، بل قد يعيد إنتاجها بأشكال أكثر دهاء والمثال الأبرز عودة فرنسا من منتخب بلاك-بلان-بور (Black-Blanc-Beur)، أي: أسود - أبيض - عربي، الفائز بكأس العالم 1998، إلى الجدل المتكرر حول “الاندماج” و”الفرنسية الحقيقية”.
يحتفى باللاعب الأسود حين يسجل الأهداف ويحقق الانتصارات، لكنه سرعان ما يتحول إلى موضوع شك واتهام: “ليس فرنسيًا بما يكفي”، “لا يغني النشيد الوطني بحماسة كافية”، في لحظات الخيبة أو الجدل السياسي، كما تجلى بوضوح في التصريحات العنصرية التي أدلى بها سياسيون فرنسيون من اليمين المتطرف تجاه لاعبي المنتخب الفرنسي عبر السنين.
كما لا يمكن تجاوز الظاهرة المستمرة للعنصرية المباشرة في المدرجات الأوروبية: الهتافات التي تحاكي أصوات القردة، والموز الذي يرمى على اللاعبين السود، والشعارات العنصرية التي ترفعها مجموعات متطرفة في شرق أوروبا، وإيطاليا، وإسبانيا. هذه الحوادث، رغم إدانتها الرسمية المتكررة من الاتحادات الرياضية، تكشف عن مجتمع لم يتحرر بعد من إرث العبودية والاستعمار، حيث يظل الجسد الأسود موضع فحص واختبار دائم لشرعية انتمائه، حتى وهو يرتدي قميص المنتخب الوطني نفسه الذي يمثله.
وقد استمرت هذه الظاهرة العنصرية في أشكال جديدة مع صعود منصات التواصل الاجتماعي. ففي أعقاب خسارة منتخب إنجلترا نهائي بطولة أمم أوروبا 2020 (التي أقيمت فعليًا صيف 2021) أمام إيطاليا بركلات الترجيح، تعرض ثلاثة لاعبين شبان من أصول أفريقية -راشفورد، وسانشو، وبوكايو ساكا- بعد إهدارهم لركلات الترجيح لموجة هائلة من الإساءات العنصرية المباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، في وقت قياسي بعد صافرة النهاية مباشرة، وهو ما أعاد فتح نقاش سياسي وقانوني واسع في بريطانيا حول مسؤولية شركات التكنولوجيا الكبرى عن تنظيم خطاب الكراهية على منصاتها، وعن مدى جدية حملات مكافحة العنصرية الرسمية في كرة القدم، مقارنة بالواقع اليومي الفعلي الذي لا يزال يعيشه اللاعبون السود داخل الملاعب وخارجها. وهذه الفجوة بين الخطاب الرسمي المناهض للعنصرية -الذي تتبناه الفيفا والاتحادات الأوروبية علنًا عبر شعارات، وحملات، ولافتات- وبين استمرار الممارسات العنصرية الفعلية غير المعاقب عليها بجدية كافية، تكشف الفجوة الدائمة بين الخطاب المعياري الرسمي، وبين تقنيات السلطة الفعلية التي تستمر في العمل تحت غطاء هذا الخطاب ذاته أي استمرار تقنيات التطبيع والتمييز رغم الخطاب الرسمي المناهض لها.
في المقابل، شكلت كرة القدم أيضًا أداة تضامن أممي عابر للقارات. فقد رفضت منتخبات أفريقية وآسيوية عديدة اللعب ضد جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري، في إطار حملة المقاطعة الرياضية الدولية، التي لعبت دورًا مهمًا -وإن كان رمزيًا في جزء كبير منه- في عزل النظام العنصري دوليًا، قبل أن يعاد قبول جنوب أفريقيا في الأسرة الرياضية الدولية عام 1992، مع بداية مسار التفاوض الذي أفضى إلى انتخابات 1994 التاريخية.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الاستعمار لم يكن دائمًا عابرًا بلا أثر بنيوي عميق في تشكيل اللعبة ذاتها من الداخل. فأسلوب اللاعبين البرازيليين، المعروف بحريته الإيقاعية وارتجاله الفني القريب من الرقص، يعزى تاريخيًا، في جزء كبير منه، إلى إسهام اللاعبين السود من أصول أفريقية، الذين طوروا أسلوبًا مغايرًا للانضباط التكتيكي الأوروبي الصارم، مستلهمين إرثًا ثقافيًا وحركيًا أفريقيًا وصل إلى البرازيل عبر تاريخ العبودية المأساوي ذاته. وهذا يعني أن أحد أكثر أساليب كرة القدم جمالًا وابتكارًا، في جذوره، نتاج ثقافي هجين، ولد من رحم مأساة استعمارية-عبودية، بما يوازي مفهوم “الهجنة الثقافية” (Cultural Hybridity) كما طوره هومي بابا وستيوارت هال، حيث تنتج تجربة الاستعمار والعبودية، رغم عنفها البنيوي المروع، أشكالًا ثقافية جديدة ومبتكرة، لم تكن لتوجد لولا هذا التصادم التاريخي العنيف بين عوالم متباعدة. وتستدعي هذه المفارقة تأملًا نقديًا حذرًا، يتجنب، في الوقت ذاته، تمجيد المأساة الاستعمارية بوصفها “منتجة” ثقافيًا، وإنكار الإبداع الفعلي الذي أنتجته شعوب واجهت هذه المأساة، وحولت جزءًا من ألمها إلى فن.
هناك مثال آخر يجسد فكرة “الحياة فعل سياسي”، وهو حالة المنتخب الفلسطيني لكرة القدم. فهذا المنتخب لا يمثل دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، ولا يملك لاعبوه حرية تنقل مضمونة، وقد اضطر، عبر تاريخه، لخوض “مبارياته الرسمية” أحيانًا خارج أرضه، لاستحالة ضمان دخول الفرق المنافسة أو خروج لاعبيه من الأراضي المحتلة، وفقد لاعبين ومدربين في قصف واعتقالات، وواجه دائمًا تعقيدًا مضاعفًا في كل رحلة سفر بسيطة يعتبرها أي منتخب آخر أمرًا بديهيًا: الحصول على تصريح عبور، واجتياز حواجز التفتيش، وانتظار موافقات أمنية قد لا تصل في الوقت المناسب لموعد المباراة.
من هذا المنظور، فإن مجرد استمرار وجود هذا المنتخب، ومجرد خروجه إلى الملعب، ومجرد ظهوره بقميص يحمل اسم “فلسطين” أمام جماهير العالم في تصفيات كأس آسيا أو كأس العالم، هو فعل سياسي. بمعنى أنه فضاء ظهور يصر على إعلان وجوده وتحقق ذاته، رغم كل الجهد المبذول لإغلاقه أو تعطيله. وهنا لا نتحدث عن “توظيف” الرياضة لخدمة قضية سياسية قائمة أصلًا، بل عن الفعل الرياضي ذاته بوصفه ممارسة مباشرة لحق الوجود والظهور، الذي يحاول الاحتلال -عبر الحصار، وتقييد الحركة، وهدم الملاعب والبنية التحتية الرياضية في غزة تكرارًا- أن يصادره.
وهذا إصرار على تحويل الحياة المحاصرة، المفروضة قسرًا، المجردة من الحماية، إلى حياة سياسية مرئية ومعترف بها، ولو جزئيًا، عبر فضاء الظهور الرياضي الدولي، الذي لا يستطيع الاحتلال إغلاقه بالكامل مهما حاول.
منذ بداية حرب الإبادة الجماعية التي شنها الاحتلال على قطاع غزة وحتى تاريخ 3/7/2026، استشهد 1012 فلسطينيًا من منتسبي الحركة الرياضية والشبابية والكشفية في القطاع، من بينهم أكثر من 560 لاعبًا ومدربًا وحكمًا ينتمون للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم وحده، ودمر الاحتلال نحو 285 منشأة رياضية.
لا يمكن اختزال ما يحدث في كونه “حوادث تمس الرياضة” بالمعنى الهامشي، حيث كان استهدافًا مباشرًا لفضاء الظهور السياسي ذاته الذي يمثله وجود هذا المنتخب. والعكس صحيح تمامًا: كل مباراة يخوضها هذا المنتخب، وكل هدف يسجله لاعبوه، هو فعل تأكيد وجود -فعل سياسي بامتياز- لا لأنه يحمل شعارًا، بل لأن مجرد حدوثه هو نفي عملي لمحاولة الإخفاء والحصار.
وقد وثقت تقارير متكررة عشرات الحوادث التي منع فيها لاعبون فلسطينيون من عبور المعابر لحضور معسكرات تدريبية أو مباريات دولية، أو تأخر وصولهم ساعات طويلة في نقاط التفتيش، بما أثر مباشرة على جاهزيتهم البدنية، فضلًا عن استهداف بنية تحتية رياضية بأكملها في قطاع غزة خلال جولات الإبادة المتكررة، من ملاعب، ومراكز تدريب، وأكاديميات ناشئين. ورغم كل هذا، ظل الاتحاد الفلسطيني يمارس نشاطه، ويشارك في التصفيات القارية والدولية، ويصر على تسجيل حضوره في السجلات الرسمية لكرة القدم العالمية. هذا الإصرار المتكرر، غير المعلن كاحتجاج بالمعنى الخطابي، هو بالضبط جوهر الفعل السياسي.
ننتقل لفكرة أخرى وهي إقصاء المرأة عن الملعب والذي لم يكن نتيجة عدم اهتمام طبيعي من النساء، بل كان قرارًا مؤسسيًا واعيًا يعكس بنية أبوية أوسع، تسعى للحفاظ على الفضاء العام، والفضاء الذي يبنى فيه رأس المال الرمزي للقوة والفحولة، حكرًا على الرجال.
لقد ظلت كرة القدم، لعقود طويلة، حقلًا محتكَرًا، رمزيًا وفعليًا، للذكورة، وهو احتكار لم يكن تاريخيًا أو ثقافيًا فحسب، بل كان مشروعًا سياسيًا ومؤسسيًا مباشرًا. ففي إنجلترا، البلد الذي نشأت فيه اللعبة، حظر الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم رسميًا على النساء اللعب في ملاعب الأندية الأعضاء من عام 1921 حتى عام 1971، أي طوال خمسين عامًا، بحجج طبية زائفة -لم تنفرد إنجلترا بالاستناد إلى هذه الحجج، وسارت على النهج نفسه دول عديدة- روجت لها المؤسسة الطبية الذكورية آنذاك عن خطورة الرياضة الشاقة على الجسد الأنثوي ووظيفته الإنجابية، وهو خطاب يمكن النظر إليه بوصفه تجليًا مباشرًا لفكرة التحكم في الجسد الإنجابي للمرأة، كأداة أساسية لإعادة إنتاج العمل غير مدفوع الأجر داخل الأسرة الأبوية، ولضمان بقاء الفضاء العام، بما فيه الفضاء الرياضي، حكرًا على الذكور.
ساهمت كرة القدم، عبر عقود من الإقصاء المؤسسي، في تكريس “هابيتوس” جندري مهيمن يربط، رمزيًا، بين الفحولة، والقوة الجسدية، والمنافسة العدوانية، بينما ألحقت الأنوثة بصفات مضادة (الرقة، والسلبية، والبعد عن الفضاء العام العدائي). وهو ربط لم يكن طبيعيًا أو بيولوجيًا كما ادعي، إنما كان بناءً اجتماعيًا تاريخيًا تعيد كرة القدم إنتاجه جيلًا بعد جيل، بوصفها فضاء صراع منظم على رأس المال الرمزي.
اليوم، ورغم التحولات الكبيرة التي شهدتها كرة القدم النسائية -نمو جماهيري متصاعد، وبطولات عالمية مثل كأس العالم للسيدات، وزيادة المتابعين- فإن فجوة الأجور بين اللاعبين واللاعبات لا تزال هائلة. هذه الفجوة تعكس توزيعا غير متكافئ لرأس المال الاقتصادي والرمزي داخل الحقل الرياضي.
كذلك أثارت قضايا، مثل حظر الحجاب في الملاعب -قضية أسمهان منصور- من 2007 حتى 2014، ولا تزال فرنسا تحظر ارتداء الحجاب في مسابقاتها المحلية- جدلًا واسعًا حول تقاطع الجندر، والدين، والعرق في الفضاء الرياضي، إذ يمثل شكلًا من أشكال العلمانية الإقصائية، التي تقصي المرأة المسلمة المحجبة من الفضاء العام الرياضي بذريعة الحياد، بينما هي، في جوهرها، إعادة إنتاج لمنطق استعماري يحدد للمرأة الشرقية كيف يجب أن تتحرر وفق مقاييس غربية، لا مقاييسها الذاتية أو المقاييس المتاحة لها.
وتقدم إيران حالة بالغة القسوة لتقاطع الجندر والسلطة الدينية-السياسية في الفضاء الكروي. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، تمنع السلطات الإيرانية النساء من حضور مباريات كرة القدم الخاصة بالرجال داخل الملاعب، بذريعة حمايتهن من الأجواء الذكورية الخشنة (الشتائم، والاختلاط). وقد بلغت مأساوية هذا المنع ذروتها عام 2019، حين تسللت الشابة الإيرانية سحر خدايارى إلى ملعب “آزادي” -وهو اسم يحمل مفارقة كاملة، إذ يعني “الحرية”- متنكرة بزي رجل، لمشاهدة مباراة فريقها المفضل “استقلال”. لم تكن تحمل لافتة، ولم تخطب في الجماهير، ولم تدع إلى إسقاط النظام؛ كل ما فعلته هو أنها أرادت أن تكون موجودة، مرئية، حاضرة في فضاء ظهور منع عليها لمجرد كونها امرأة. وحين قبض عليها، وعلمت أنها قد تحاكم بالسجن، أضرمت النار في جسدها احتجاجًا أمام محكمة طهران، فتوفيت متأثرة بحروقها لاحقًا، لتتحول إلى رمز عرف إعلاميًا بفتاة الأزرق (The Blue Girl)، نسبة إلى لون قميص فريقها. دفعت وفاتها المأساوية الفيفا إلى ممارسة ضغط دبلوماسي محدود على الاتحاد الإيراني، للسماح لعدد رمزي محدود من النساء بحضور بعض المباريات الدولية الكبرى، تحت حراسة أمنية مشددة.
هذه الحادثة تجسد ما وصفته جوديث بتلر بـ”الأجساد الجديرة بالحداد” (Grievable Bodies)، في تمييزها بين الأجساد التي يعترف، اجتماعيًا وسياسيًا، بقيمة معاناتها وفقدانها، وتلك التي تظل معاناتها غير مرئية، أو غير ذات أهمية سياسية كافية لإحداث تغيير بنيوي حقيقي. فموت سحر خدايارى، رغم أنه أثار تعاطفًا عالميًا واسعًا، لم يترجم إلى تفكيك فعلي للبنية الأبوية-الدينية التي أنتجت مأساتها أصلًا.
وتقدم هذه الحادثة مثالًا على أن الفعل السياسي قد لا يحتاج خطابًا على الإطلاق، بل قد يكتفي بمجرد الظهور. لم تكن سحر خدايارى تمارس سياسة بالمعنى النشاطي التقليدي، كانت فقط تحاول أن “تكون” في مكان تمنع منه، وهذا وحده كان كافيًا لتحويل فعلها البسيط -محاولة مشاهدة مباراة- إلى تهديد وجودي، كافٍ لتستحق عليه ملاحقة الدولة الأمنية. وهذا يختزل، بشكل مأساوي وحاد، جوهر الفكرة التي نبنيها: أن مجرد الحق في الظهور -لا في الكلام، أو التنظيم، أو المطالبة، بل في الحضور الجسدي المرئي داخل فضاء مشترك- هو أصل الفعل السياسي، وأن حرمان جسد ما من هذا الظهور هو، بالضبط، ما تفعله كل سلطة استبدادية حين تريد إلغاء فاعلية سياسية بأكملها.
ومع ذلك، لا يخلو هذا المنظور من قصور، إذ قد يؤدي رد كل أشكال الإقصاء الرياضي إلى البنية الأبوية وحدها إلى إغفال عوامل أخرى، مثل الطبقة، والدين، والقومية، والاستبداد السياسي، التي تتداخل مع الجندر بدرجات متفاوتة في إنتاج هذا الإقصاء.
تناقش حنة أرندت، في “الحالة الإنسانية”، ثلاثة أنماط للنشاط الإنساني: الكدح/العمل (Labor)، المرتبط بضرورات البقاء البيولوجي؛ والعمل/الصنع (Work)، الذي ينتج عالما مصنوعا من الأشياء والمؤسسات والأعمال الفنية ويمنح شعورًا بالاستقرار والديمومة؛ والفعل (Action)، أرقى أشكال النشاط الإنساني، الذي يتحقق حصرًا في الفضاء العام أمام الآخرين، وهو الفعل السياسي بامتياز؛ لأنه يكشف “من” الفاعل عبر كلامه وأفعاله أمام جماعة من الأنداد. وترى أرندت أن الفعل السياسي يتطلب “فضاء ظهور” يتحقق فيه الأفراد بوصفهم كائنات متفردة، قابلة للرؤية والاعتراف المتبادل.
المدرجات الكروية تشكل، في لحظات معينة، هذا الفضاء؛ فحين يجتمع آلاف المشجعين في هتاف موحد، أو حين تتحول أغنية مدرج إلى نشيد احتجاجي سياسي (كما حدث مع أغاني الألتراس في تونس ومصر، التي سبقت وواكبت أحداث الربيع العربي)، فإن الملعب يتحول من فضاء استهلاك سلبي إلى فضاء فعل جماعي حقيقي، حيث يكشف الأفراد عن ذواتهم أمام بعضهم بعضًا بوصفهم فاعلين سياسيين، لا مجرد متفرجين.
ويقدم جاك رانسيير مفهوم “توزيع المحسوس” لفهم هذه اللحظات، ويقصد النظام الذي يحدد مسبقًا من يعد صوته كلاما يسمع ومن يعد مجرد ضجيج لا يسمع، ومن يرى ومن يبقى غير مرئي، وما يعد سياسيًا يسمح بمناقشته، وما يستبعد بوصفه خارج مجال السياسة. والسياسة الحقيقية عند رانسيير ليست إدارة الشأن العام من قبل النخب “البوليس” -بتعبيره الخاص، ولا يقصد جهاز الشرطة- بل هي، بالضبط، اللحظة التي يقتحم فيها من لا صوت لهم، “الذين لا نصيب لهم”، رافضين هذا التوزيع القائم، مطالبين بإعادة توزيع جذرية للمحسوس.
الألتراس، ومن هذا المنظور، يمثلون حالة نموذجية للفاعل السياسي الذي يقتحم توزيعًا قائمًا للمحسوس؛ فهم غالبًا من شباب الأحياء الشعبية المهمشة اقتصاديًا وسياسيًا، المستبعدين من مواقع صنع القرار الرسمي، لكنهم، عبر تنظيمهم الذاتي داخل المدرجات -الأغاني، والحركات الجماعية، ولوحات “التيفو” العملاقة، واللافتات السياسية الصريحة أحيانًا- ينتزعون فضاءً للظهور والصوت لم يكن متاحًا لهم في الفضاء السياسي الرسمي. وحين واجهت هذه الجماعات قمعًا دمويًا -مجزرة بورسعيد في مصر عام 2012، أو الاعتقالات الجماعية المتكررة للألتراس في مصر وتونس والجزائر والمغرب- فإن هذا القمع نفسه يؤكد، بمنطق رانسييري معكوس، خطورة هذا الفضاء بوصفه تهديدًا حقيقيًا لتوزيع السلطة القائم، لا مجرد “شغب رياضي” هامشي، كما تحاول الخطابات الرسمية دائمًا تصويره.
وحين نستحضر ظاهرة الشغب/التعصب الكروي، أو الهوليجانز (Football Hooliganism)، في إنجلترا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، نرى أن موجة العنف في المدرجات الإنجليزية لم تكن ظاهرة مرضية معزولة عن سياقها الاجتماعي، بل كانت -حسب إيان تايلور- تعبيرًا، وإن كان مشوهًا وعنيفًا، عن غضب الطبقة العاملة البريطانية إزاء تحول كرة القدم تدريجيًا من رياضة شعبية أصيلة يملك جمهورها إحساسًا بالانتماء والملكية الرمزية لناديه المحلي، إلى صناعة استهلاكية متنامية التسليع، تقصي هذا الجمهور تدريجيًا لصالح جمهور أكثر ثراء، ضمن سياق أوسع من التفكك الاجتماعي الذي أحدثته سياسات تاتشر، من إغلاق وخصخصة مناجم الفحم، وإضعاف النقابات العمالية، وتغيير الاقتصاد الصناعي التقليدي في المدن الشمالية الإنجليزية، التي كانت تشكل المعقل التاريخي لثقافة المشجعين الكروية الشعبية.
وبدلًا من معالجة الجذور الاجتماعية لهذه الظاهرة، تعاملت الحكومة مع جماهير كرة القدم، وبخاصة بعد مأساة ملعب هيسل، بمنطق أمني قمعي صرف، وعبر خطاب رسمي ينزع الصفة الإنسانية عن الجماهير، ويصف مشجعي كرة القدم بأنهم “عدو داخلي”، بنفس المصطلح تقريبًا الذي استخدمته تاتشر لوصف عمال المناجم المضربين في الإضراب الكبير عام 1984-1985. وقد ساهم هذا الخطاب الأمني المفرط في تهيئة الأجواء المؤسسية، كما أدت سياسات الشرطة القمعية تجاه الجماهير، ووضع سياج حديدي بين المدرجات والملعب، إلى مأساة استاد هيلزبره عام 1989، في كارثة استغرق الاعتراف الرسمي الكامل بمسؤولية الشرطة عنها -بدل إلقاء اللوم ظلمًا على الضحايا أنفسهم، كما فعلت الصحافة آنذاك- أكثر من عشرين عامًا من النضال القانوني الذي خاضته عائلات الضحايا. هذه السلسلة من الأحداث تكشف بجلاء كيف يمكن أن يتحول الأمن الرياضي، حين يدار بمنطق طبقي إقصائي، من حماية للجماهير إلى أداة قمع مباشر ضدها.
برز في العقدين الأخيرين مفهوم “الغسيل الرياضي” (Sportswashing) لوصف استثمار أنظمة سلطوية أو شبه سلطوية في الرياضات الكبرى، وبخاصة كرة القدم، بهدف تلميع صورتها الدولية وصرف الانتباه عن سجلها في مجال حقوق الإنسان، ومحاولة الدول تحقيق أهدافها عبر الجاذبية والإقناع الثقافي بدلا من الإكراه العسكري أو الاقتصادي المباشر.
النموذج القطري أبرز مثال على ذلك؛ فاستضافة قطر كأس العالم 2022، وشراء نادي باريس سان جيرمان الفرنسي عبر صندوق قطر للاستثمار، ورعاية بطولات ومسابقات دولية عبر شركة “بي إن سبورتس”، كلها استثمارات ضخمة هدفها المعلن أو الضمني رفع الحضور الدولي لدولة صغيرة سكانيا، وتثبيت مكانتها كفاعل إقليمي ودولي لا يمكن تجاوزه في سياق تنافس إقليمي محتدم مع جيرانها. وقد رافقت هذه الاستضافة موجة نقد دولية واسعة ركزت على وضع العمال المهاجرين، وعلى القوانين المقيدة للحريات الجنسية والفردية. ولكن، في المقابل، وصف هذا النقد بأنه انتقائي ومتحيز استعماريا؛ إذ لم توجه الانتقادات ذاتها، بنفس الحدة، لدول غربية استضافت بطولات كبرى رغم سجلاتها الحقوقية المثيرة للجدل هي الأخرى، مثل الولايات المتحدة، وحصار العراق، والإبادة الجماعية في غزة حين استضافت كأس العالم 1994 و2026، أو روسيا 2018 عقب أزمة شبه جزيرة القرم.
هذا الجدل يعيدنا إلى سؤال: من يملك سلطة تعريف “الحقوق الإنسانية” المعيارية؟ ومن يملك سلطة تحديد من يحاكم على انتهاكها، ومن يعفى من هذه المحاكمة؟ فالنقد الموجه لدول الخليج، وإن كان مشروعا وموثقا في كثير من جوانبه، غالبا ما يصدر عن مواقع إعلامية وسياسية غربية تتجاهل استمرارية تواطؤ اقتصاداتها وحكوماتها ذاتها مع الأنظمة المنتقدة، عبر صفقات السلاح والاستثمار والتحالفات الاستراتيجية، بما يكشف عن بنية خطابية استشراقية أعمق تنتج الآخر الشرقي بوصفه موضوعا دائما للفحص الأخلاقي، بينما تعفى الذات الغربية من فحص مماثل.
السعودية، بدورها، سلكت مسارا مشابها، عبر استثمارات ضخمة في الدوري المحلي، واستقطاب نجوم عالميين بعقود خيالية، والفوز باستضافة كأس العالم 2034، في محاولة لإعادة تشكيل الصورة الدولية للمملكة بعيدا عن قضايا حقوقية بارزة، مثل مقتل الصحفي جمال خاشقجي وحرب اليمن.
ولا يقتصر توظيف كرة القدم كأداة قوة ناعمة على الاستضافة والملكية المباشرة للأندية، بل يمتد إلى ميدان أعمق تأثيرا: حقوق البث التلفزيوني. فتأسيس قناة الجزيرة الرياضية، ولاحقا “بي إن سبورتس”، واستحواذها على حقوق بث حصرية لأبرز البطولات الأوروبية والعالمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، منحها سلطة تأطير هائلة على كيفية تلقي الجمهور العربي للحدث الكروي: من يختار للتعليق، وأي الروايات تبرز، وكيف تصاغ الأحداث الجيوسياسية المرتبطة بالرياضة، كما في تغطية مونديال 2022، حيث واجهت الانتقادات الغربية بخطاب مضاد يصف هذه الانتقادات بالازدواجية. وهذا يعيدنا مجددا إلى العلاقة العضوية بين المعرفة والسلطة؛ فمن يملك قنوات إنتاج المعرفة الإعلامية حول الحدث الرياضي -لا الملكية المباشرة للأندية فقط- يملك سلطة تأطير رمزية هائلة تتجاوز أثرها حدود الملعب، لتشمل تشكيل الرأي العام الإقليمي حول قضايا سياسية أوسع بكثير من الرياضة ذاتها.
ويمكن وصف هذه الاستراتيجية بأنها محاولة “لإعادة كتابة السردية الوطنية” عبر واجهة رياضية جذابة تحظى بتغطية إعلامية إيجابية تفوق، بكثير، التغطية التي قد تحظى بها التقارير الحقوقية النقدية.
بلغ التماهي بين الكرة والسلطة السياسية في أمريكا الجنوبية ذروة لم تبلغها أي قارة أخرى. ففي الأرجنتين، استضاف النظام العسكري اليميني الديكتاتوري، الذي وصل إلى الحكم بانقلاب عام 1976، كأس العالم 1978، في لحظة كانت فيها آلة القمع تخفي وتعذب وتقتل آلاف المعارضين فيما عرف بالحرب القذرة (Guerra Sucia). وبينما كانت استادات البلاد تعج بالحشود المحتفلة بفوز المنتخب الأرجنتيني باللقب، وثقت شهادات لاحقة وجود مراكز اعتقال وتعذيب سرية على بعد أمتار قليلة من استاد “المونومنتال” الذي أقيمت فيه المباراة النهائية، في تجسيد حرفي مروع لما وصفه أغامبين بتعايش الحياة العارية مع الاحتفال الجماهيري في الفضاء ذاته، دون أن يعلم الجمهور المحتفل، أو دون أن يريد أن يعلم، بما يجري على مقربة منه. هنا تتجلى وظيفة الغسيل الرياضي في صورتها الأكثر فجاجة: توظيف الاحتفال الجماهيري العالمي لتلميع نظام دموي أمام الرأي العام الدولي، وصرف الانتباه، محليا، عن جرائمه عبر نشوة النصر الوطني.
أما الجارة تشيلي، فقدمت مثالا لا يقل قسوة؛ فبعد انقلاب أوغستو بينوشيه عام 1973 ضد الرئيس المنتخب سلفادور ألليندي، تحول استاد خوليو مارتينيز برادانوس في العاصمة سانتياغو إلى معسكر اعتقال جماعي استخدم لاحتجاز وتعذيب وإعدام آلاف المعارضين -مثلما يفعل الاحتلال الإسرائيلي في غزة خلال الإبادة الجارية-. وأصر الاتحاد الدولي لكرة القدم على إقامة مباراة الإياب من التصفيات المؤهلة لكأس العالم 1974 بين تشيلي والاتحاد السوفييتي في الاستاد ذاته، والذي كان لا يزال يستخدم كمعتقل جزئيا. ما دفع الاتحاد السوفييتي إلى طلب تغيير الملعب؛ فرفض الطلب، واعتبر الاتحاد السوفييتي منسحبا، فتأهلت تشيلي عبر ملعب فارغ من الخصم، في مشهد يلخص، بشكل صادم، كيف يمكن أن تتحول القواعد الرياضية المحايدة ظاهريا إلى أداة تواطؤ فعلي مع جريمة سياسية، حين تصر المؤسسات الرياضية الدولية على الفصل بين الرياضة والسياسة، في سياق يجعل هذا الفصل ذاته موقفا سياسيا فاضحا.
وفي البرازيل، الدولة التي يوصف فيها الشغف الكروي بأنه ديانة غير رسمية، استثمر النظام العسكري الحاكم، بشكل ممنهج، في نجاح المنتخب، وبخاصة تتويجه بكأس العالم 1970 بقيادة بيليه، لبناء شرعية شعبية زائفة لحكم استبدادي قمعي؛ إذ روجت الدعاية الرسمية لشعار: “البرازيل، إن لم تحبها، غادرها” (Brazil, love it or leave it)، مقرونا بصور احتفالات الفوز، في عملية دمج مباشر بين الهوية الوطنية والولاء للنظام العسكري القائم. وهذا توظيف للفضاءات الثقافية الشعبية لبناء إجماع يخدم السلطة القائمة، دون حاجة إلى قمع مباشر مستمر.
ولعل الشخصية الأكثر دلالة في هذا السياق اللاتيني هي دييغو أرماندو مارادونا، الذي تجاوز كونه لاعبا عبقريا ليصبح رمزا سياسيا وأسطوريا معقدا يختزل تناقضات القارة بأكملها.
فمارادونا، الذي نشأ في أحياء الأرجنتين الفقيرة، وحمل طوال حياته خطابا مناهضا للإمبريالية الأمريكية ومتضامنا مع الثورة الكوبية وكاسترو وتشافيز، قدم في مونديال المكسيك 1986، بعد أربع سنوات فقط من هزيمة الأرجنتين أمام بريطانيا في حرب الفوكلاند، واحدة من أشهر اللحظات في تاريخ الرياضة السياسي: هدف “يد الرب” (Hand of God)، الذي سجله بيده خلسة عن الحكم في مرمى إنجلترا، تلاه، بعد دقائق قليلة، هدف آخر يوصف بأنه “هدف القرن” لروعته الفنية الخالصة. وقد وصف مارادونا نفسه، لاحقا، هدف “يد الرب” بأنه “انتقام رمزي” من إنجلترا، محولا حادثة رياضية إلى إعادة تمثيل مباشرة للصراع الجيوسياسي بين البلدين، حيث اختزلت تسعون دقيقة من اللعب صراعا استعماريا وحربيا كاملا في لحظة رمزية واحدة، يعاد تأويلها وطنيا وشعبيا كعدالة تاريخية متأخرة، رغم أنها، في جوهرها الرياضي البحت، مجرد خطأ تحكيمي.
هذه الأمثلة اللاتينية الثلاثة: الأرجنتين، وتشيلي، والبرازيل، تكشف نمطا بنيويا متكررا: الأنظمة الاستبدادية، بغض النظر عن توجهها الأيديولوجي، تجد في كرة القدم أداة شرعنة لا تضاهى، بينما تجد الشعوب المقهورة، في الوقت ذاته، وأحيانا عبر الرمزية الكروية ذاتها، فضاء لإعادة تعريف كرامتها الجماعية المهدورة. أي أن كرة القدم ليست مجرد أداة تعبئة رمزية تستخدمها السلطة، بل فضاء تتنازع السيطرة عليه الدولة والجمهور، والنظام والمعارضة، والهيمنة والمقاومة.
بعد هذا العرض لتجليات السياسي في كرة القدم، يجدر بنا أن نعود بنظرة نقدية إلى السؤال الأصلي: هل “الحياة كلها فعل سياسي” فعلا؟ أم أن هذه المقولة، حين تطبق بلا تمييز، تفرغ مفهوم “السياسي” ذاته من أي قيمة تحليلية؟
ثمة خطر حقيقي في التسييس الشامل، يستحق الوقوف عنده بجدية: فإذا كان كل شيء سياسيا، فإن مفهوم “السياسي” يفقد حدوده التمييزية، ويصبح مرادفا فضفاضا للاجتماعي بمعناه الأوسع، بحيث لا يعود قادرا على تمييز الفعل السياسي المخصوص عن أي فعل إنساني آخر. إن تسييس كل شيء، بما في ذلك الحياة الخاصة والحاجات البيولوجية، هو بالضبط ما يفتح الباب أمام الأنظمة الشمولية التي تسعى للسيطرة على كل مناحي الحياة الإنسانية دون استثناء.
من هذا المنظور، يمكن القول إن المتعة الخالصة التي يشعر بها طفل يركض خلف كرة في زقاق شعبي، أو الفرح العفوي الذي يعتري مشجعا يحتفل بهدف متأخر للفريق الذي يشجعه، ليسا بالضرورة أفعالا سياسية في ذاتهما، بل هما تجربتان إنسانيتان أصيلتان تسبقان أي تأطير سياسي وتتجاوزانه. واختزال كل تجربة إنسانية، بما فيها اللعب واللذة والأداء الجمالي الخالص لحركة كروية بارعة، إلى مجرد أداة أو تعبير سياسي، هو في حد ذاته نوع من الاختزالية الأيديولوجية التي تنفي عن الإنسان قدرته على تجربة العالم بشكل غير أداتي؛ وهي القدرة التي أولاها الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير أهمية جوهرية في تحليله للعب، بوصفه نموذجا أصيلا للتجربة الجمالية التي تتجاوز منطق الغاية والوسيلة، وتحقق كينونتها الخاصة المستقلة في فعل اللعب ذاته.
فالتمييز الضروري ليس بين “سياسي” و”غير سياسي” بشكل مطلق وثنائي، بل بين مستويات مختلفة من التسييس، ودرجات متفاوتة من الكثافة السياسية التي يمكن أن يحملها فعل واحد، بحسب السياق الذي يمارس فيه.
فحركة كروية بارعة يؤديها لاعب في مباراة ودية ليست، بذاتها، فعلا سياسيا. لكن الحركة ذاتها، حين تؤدى في نهائي كأس عالم أمام مليار مشاهد، ويعاد تأويلها لتصبح رمزا وطنيا، وتستثمر إعلاميا واقتصاديا، وتوظف في خطاب دبلوماسي، تكتسب زخما وكثافة سياسية هائلة، رغم أن طبيعتها الجوهرية لم تتغير؛ لكن السياق الاجتماعي الذي تمارس داخله هو الذي يمنحها هذا البعد.
إن كل ممارسة داخل الحقل الرياضي ليست بالضرورة سياسية بالمعنى الحصري الضيق، وإنما لكل حقل (الرياضي، والفني، والديني، والاقتصادي) منطقه الداخلي الخاص، الذي يتمتع بقدر من الاستقلالية النسبية، حتى وإن ظل هذا الحقل متقاطعا باستمرار مع حقل السلطة الأوسع ومتأثرا به. كرة القدم تملك منطقا داخليا خاصا بها -قواعد اللعبة، وجماليات الأداء، ومتعة المنافسة- لا يختزل بالكامل إلى السياسة، لكنه، في الوقت ذاته، لا ينفصل تماما عنها، بل يظل حقلا شبه مستقل يتقاطع باستمرار، بدرجات متفاوتة الكثافة، مع حقول السلطة والاقتصاد والهوية.
نخلص من هذا إلى أن مقولة “الحياة كلها فعل سياسي”، حين تفهم بشكل جدلي لا اختزالي، تحمل قدرا من الصحة، شريطة أن نفهم “السياسي” لا بوصفه صفة ثابتة ملازمة لكل فعل إنساني بشكل متساو، بل بوصفه إمكانية كامنة قابلة للتفعيل بدرجات متفاوتة، بحسب السياق الاجتماعي والتاريخي الذي يمارس فيه الفعل.
كرة القدم، بهذا المعنى، ليست سياسية بذاتها، بمعنى ثابت، لكنها ليست في الوقت نفسه بريئة وخالية من السياسة؛ فهي حقل اجتماعي شديد الكثافة، تتقاطع فيه كل خيوط السلطة.
إن قيمة كرة القدم التحليلية، من هذا المنظور، لا تكمن في كونها استعارة للسياسة، بل في كونها موقعا امتيازيا لملاحظة كيف تتشكل السياسة ذاتها في الممارسة اليومية الملموسة، بعيدا عن التجريد النظري المحض.
فحين نشاهد جماهير ألتراس تهتف بأهازيج ثورية، أو عمالا مهاجرين يبنون ملعبا بشروط عمل قاسية، أو منتخبا وطنيا يوحد أمة ممزقة للحظة عابرة، فإننا نشاهد السياسة ذاتها وهي تصنع وتعاد صياغتها.
وربما تكمن الفكرة في أن الحدود بين اللعب الخالص والسياسة ليست حدودا طبيعية ثابتة، بل هي ذاتها موضع صراع دائم: صراع على من يملك سلطة تعريف أين تنتهي البراءة والحياد الرياضي، وأين تبدأ المسؤولية السياسية.
إن أصدق وصف لهذه العلاقة الجدلية بين الكرة والسياسة هو أنها علاقة تبادلية؛ فكما تسيَّس كرة القدم عبر تدخل الدولة ورأس المال والأيديولوجيا، فإنها، بدورها، تسيِّس؛ أي تفتح إمكانية الفعل السياسي، وتخلق مفرداته ورموزه وطاقته الانفعالية لملايين البشر، الذين ربما لم يكن لهم، لولا هذا الفضاء الرياضي الشعبي المشترك، أي مدخل آخر للتعبير الجماعي عن الهوية والغضب والفرح والانتماء.
وهذا التبادل الجدلي، بكل تناقضاته وتوتراته غير المحسومة، هو ما يجعل من كرة القدم واحدة من أخصب الحقول المتاحة أمامنا اليوم لفهم الشرط الإنساني ذاته، بكل ما ينطوي عليه هذا الشرط من صراع دائم بين الحرية والقيد، وبين الفرد والجماعة، وبين المتعة الخالصة والسلطة التي لا تكف عن محاولة توظيفها. وربما لهذا كله، لا تنتهي العلاقة بين الكرة والسياسة.
في النهاية، يبقى السؤال: هل يمكن أصلا أن نتخيل فضاء إنسانيا جماعيا، مهما بدا بريئا أو ترفيهيا، متحررا بالكامل من السلطة والصراع والهوية؟
