سمعت صوتي مسجلا مرة، بمحض الصدفة، وشعرت بارتباك غريب: الصوت الخارج من ذلك الجهاز الصغير لم يكن صوتي كما أعرفه من الداخل، بل صوت آخر أجش قليلا وغريب بطريقة ما، يحمل الكلمات نفسها لكنه ينتمي إلى شخص لم أصادفه إلا في تلك اللحظة بالذات. ومنذ ذلك اليوم صار يخطر لي أن أول مسافة يعيشها الإنسان في حياته ليست المسافة بينه وبين الآخرين، بل المسافة بينه وبين صدى نفسه، بين الصوت الذي نسمعه بعظامنا من الداخل والصوت الذي يسمعه العالم من الخارج فقط، وأن كل غربة لاحقة، كل شعور بالانفصال عن أحد، ما هي إلا صدى مؤجل لتلك الغربة الأولى التي لا نلتفت إليها لأننا مشغولون طوال الوقت بمحاولة إثبات أننا نعرف من نكون
ثم أظن أن أول خديعة كبرى يتعرض لها الكائن ليست خديعة من أحد، بل خديعة الجسد نفسه، هذا البيت الذي ولدنا فيه دون مراجعة مخططه، ودون اختيار ارتفاع نوافذه أو زاوية سقوط الضوء فيه أو متانة جدرانه، ثم طلب منا، بلا تفاوض، أن نسكنه حتى الموت، أن نرممه كل صباح بحركات صغيرة، وأن نحتمل رطوبته في مواسم الحزن وتشققاته البطيئة مع تقدم السنوات، وأن نسمي هذا كله “أنا” كأن التسمية وحدها قادرة على تحويل ما وقع بنا صدفة إلى شيء نملكه ونتحكم فيه فعلا
في بعض الأوقات تتحول الحياة كلها إلى غرفة مكسوة بطبقة خفيفة من الزجاج المصنفر، لا تسمع الأصوات فيها إلا بعد تأخر بسيط يشبه صدى قادما من واد بعيد ولا ترى الألوان إلا باهتة قليلا، كأن يدا غير مرئية خفضت سطوع العالم درجة واحدة لا يلحظها أحد سواك، فتمشي بين الناس، تضحك في اللحظة المناسبة تجيب على الأسئلة بالترتيب الصحيح، بينما أنت في الحقيقة تراقب نفسك من زاوية عالية تؤدي دورا مألوفا، وتتساءل، دون أن تعرف الجواب، منذ متى توقف الصوت عن الوصول في وقته، ومنذ متى صار الفرح، إن جاء، يطرق الباب فيجدك نائما ولا يجرؤ أن يوقظك.
وأظن أن هناك فرقا جوهريا يستحق التوقف عنده بين العزلة التي نختارها والوحدة التي تفرض علينا، فالأولى غرفة نغلق بابها بأيدينا لأننا نحتاج الصمت لنسمع أفكارنا، والثانية غرفة نجد أنفسنا محبوسين فيها دون أن نتذكر أننا دخلناها، ومع ذلك فالخط الذي يفصل بينهما أرق مما نتصور، فكثيرا ما تبدأ عزلة مختارة بمرح، احتفالا بحرية الهروب من ضجيج العالم، ثم تنقلب دون إشعار مسبق إلى وحدة تلتهم من الداخل، فيجد المرء نفسه، دون أن يقرر ذلك في أي لحظة محددة، قد عبر من غرفته الآمنة إلى زنزانة تحمل الجدران نفسها بالضبط
وأغرب من ذلك أن الوحدة لا تشتد في العزلة الحقيقية بقدر ما تشتد وسط الازدحام، في قطار مكتظ مثلا حيث تقف عشرات الوجوه على مسافة نفس واحد منك، لكل وجه منها تاريخ داخلي كامل لا يعرفه أحد، هموم لا تروى، أحلام تلاشت مع السنين حتى صارت تخجل من نفسها، وأنت تنظر إليهم وتعرف، بيقين لا تحبه، أنك لن تعرف عن أي منهم شيئا حقيقيا، وأنهم كذلك لن يعرفوا عنك، وأن هذا الاقتراب الجسدي الشديد، كتفا إلى كتف، أنفاسا في أنفاس، ليس تقاربا بل تأكيدا إضافيا على أن الأجساد قد تتلامس دون أن تتقاطع الأرواح إطلاقا.
وأتذكر، أو أظن أنني أتذكر، طفلا في فناء منزل قديم عند غروب الشمس، يلعب وحده بحصاة صغيرة يرسم بها خطوطا في التراب، بينما أصوات الكبار تتسرب من نافذة مفتوحة خلفه، مألوفة ودافئة، لكنه، لسبب لا يفهمه ولن يفهمه لسنوات طويلة قادمة، يشعر في تلك اللحظة بالضبط بأنه بعيد عن كل تلك الأصوات بمسافة لا تقاس. وكأن الوحدة، بهذا المعنى، لا تأتي متأخرة مع النضج والخيبات كما نحب أن نصدق، بل تكون موجودة منذ البداية، كامنة، تنتظر فقط نمو معجمك لتسمي نفسها
ولعل أصعب ما في محاولة الاعتراف بشيء حقيقي لأحد هو أنه ترجمة، دائما ترجمة، من لغة داخلية لا قاموس لها إلى لغة مشتركة اضطررنا لتعلمها لنعيش بين الناس، وكل ترجمة، كما نعرف، تخون الأصل قليلا، تسقط ظلالا لا يمكن نقلها، نغمات لا يقابلها حرف، فحين تقول لأحد “أنا بخير” أو “أنا متعب” أو حتى “أنا أحبك”، فإنك لا تنقل الشيء نفسه، بل ترسل نسخة مخففة منه عبر مسافة لا يقطعها الصوت كاملا، ويستقبل الطرف الآخر تلك النسخة المخففة ويظن أنه فهم، وهكذا تستمر الحياة بين الناس على اتفاق ضمني بتقبل الترجمات الناقصة بدل الاعتراف بأن الأصل لا ينقل أبدا.
وأحيانا أفكر أن الصمت بين جملتين، لا الجملتين نفسيهما، هو ما يحمل المعنى الحقيقي، أن المسافة الصغيرة التي يتوقف فيها الصوت بين كلمة وأخرى تحتوي على شحنة لا تحملها الكلمات المصرح بها، وأن أعمق اللحظات بين إنسانين ليست تلك التي يتكلمان فيها بل تلك التي يصمتان فيها معا دون حرج، حين يكفي وجود الآخر، بلا شرح، بلا طلب، بلا حتى نظرة مباشرة، لتمرير شيء لا تصله اللغة المنطوقة أبدا. ولعل هذا يفسر لماذا نتذكر، من علاقات انتهت منذ سنوات، صمتا مشتركا في سيارة متوقفة أو مطبخ في وقت متأخر من الليل، أكثر مما نتذكر أي جملة قيلت فيهما.
ومن أقسى ما يكتشفه الإنسان في علاقاته أن الحب، رغم كل ما يقال عنه، لا يمنح تصريح دخول كامل إلى ألم من نحب، أن تستطيع أن تجلس قرب سرير أحدهم طوال الليل، تمسك يده، تبتل عيناك من أجله، ومع ذلك تبقى، رغم كل هذا القرب الجسدي، في الخارج، أمام باب الألم الفعلي الذي يعبره وحده، ولا يمكن لأي قدر من الحب أن يفتح لك ذلك الباب، لأن الألم، كالوعي، تجربة أحادية بطبيعتها، لا تقتسم فعليا، بل تشاهد من مسافة قريبة جدا تكاد تخدعك بأنها انعدام مسافة.
ومع ذلك نواصل، كل صباح تقريبا، أداء طقوس صغيرة لا تبدو ذات معنى إن نظرنا إليها من الخارج: نكوي قميصا سنرتديه ساعات قليلة ثم يعود إلى سلة الغسيل، نسقي نبتة لا نعرف بالضبط إن كانت ما تزال حية أو أن جذورها استسلمت منذ أسابيع دون إعلان، نمسح الغبار عن رف سيغبر ثانية بحلول المساء، ننتظر رسالة تأخرت كثيرا ونتفقد الهاتف بحركة لا وعي فيها، كتشنج عضلي أكثر منها أملا. وكل هذا التكرار، إذا تأملناه جيدا، ليس سذاجة ولا نسيانا للعبث المحيط بنا، بل تحصين هادئ، نظام دفاعي كامل نبنيه، لأن التوقف عن الحركة، لو حدث فعلا، سيجعلنا وجها لوجه أمام الفراغ الذي تتظاهر هذه الحركات الصغيرة كلها بأنه غير موجود.
والفرق بين الحزن والخيبة، كما أفهمه، أن الحزن يزور بعد فقدان شيء كان موجودا، أما الخيبة، بمعناها الأعمق، فتزور حين نكتشف أن الجهد لا يعد بشيء، أن الفلاح الذي يزرع شجرة يعرف أنه لن يقطف ثمارها، وأن من يلقي حبلا في بئر مهجورة لا يمكنه التأكد أن ثمة يدا في القعر لتمسك به، ومع ذلك يزرع ويلقي الحبل، لأن التوقف عن المحاولة، حتى في غياب أي ضمان، يشبه إعلانا رسميا بأن العالم انتصر، وثمة كبرياء غامض يرفض تقديم هذا الإعلان حتى في أحلك اللحظات.
حين أتأمل ذاكرتي أراها طبقات متراصة كموقع أثري لم يحفر بعناية، طبقة الطفولة مدفونة تحت طبقة المراهقة، وتلك مدفونة تحت طبقات من الخيبات المتتالية التي لم تعد تحمل تواريخ واضحة، وكل ما أستطيع فعله، حين أحاول الوصول إلى من كنت في لحظة معينة، هو التنقيب بحذر بين شقوق لا تفضي غالبا إلا إلى شقوق أخرى، فأكتشف أن ما نسميه “الهوية” ليس جوهرا ثابتا في القاع، بل مجرد ترسب، بقايا متكدسة فوق بعضها، وأن الوصول إلى الأول إلى الشخص الذي كان قبل كل هذا الركام، مستحيل تماما كاستحالة أن تعيد قطرة ماء إلى شكلها الأول بعد أن سقطت في النهر.
وفي لحظات قليلة غريبة، يحدث أن أنظر في المرآة مطولا حتى ينفصل الوجه عن معناه المعتاد، تختفي الألفة تدريجيا كما تختفي كلمة نكررها كثيرا حتى تصبح مجرد أصوات بلا دلالة، وتصير الملامح التي أعرفها منذ عقود مجرد تجويفات وبروزات غريبة موزعة بلا منطق واضح على سطح لحمي، وفي تلك اللحظة بالضبط أشعر أنني أنظر إلى غريب يستعير وجهي مؤقتا، وأتساءل من الذي ينظر فعلا، من وراء هذين الثقبين الصغيرين اللذين نسميهما عينين، وهل لهذا من معنى أصلا أم أنه مجرد نقطة تجمع عشوائية لأحاسيس واعية لم تسأل يوما إن كانت ترغب في أن تجمع
حتى توقيعي، الذي وقعت به مئات الأوراق منذ الصبا، تغير دون أن ألحظ التغير وهو يحدث، حرف يميل أكثر، حرف يتقلص، حتى صار، حين أضعه بجانب توقيعي القديم يشبهه من بعيد فقط، كشقيقين افترقا طويلا ثم اجتمعا فوجدا أن أوجه الشبه بينهما صارت أقل من أوجه الاختلاف. وحين أرى صوري القديمة القليلة، صور الطفولة خصوصا، لا أشعر بحنين بقدر ما أشعر بحرج غامض، كأنني أتطفل على حياة شخص آخر، طفل لا أعرفه رغم أنه يحمل اسمي بالكامل ويبتسم في الصورة كأنه واثق من أن المستقبل الذي ينتظره سيكون رحيما، وهو لا يعرف عني شيئا وأنا رغم كل الوقت الذي مضى، لا أعرف كيف أعتذر له عن كل ما لم يحدث كما توقع، ولا حتى كيف أخبره أن هذا ليس ذنب أحد
حتى الاسم، إذا تكرر تكرارا كافيا، يبدأ يفقد صلته بنا: ناداني أحدهم مرة باسمي عدة مرات متتالية أثناء غياب ذهني قصير، وحين انتبهت أخيرا شعرت لجزء من الثانية أن الاسم المنادى ليس اسمي بل مجرد تركيبة صوتية عشوائية صادف أنها ألصقت بي يوم الولادة وأن “أنا” الحقيقي، إن وجد أصلا، لا يملك اسما ولا يحتاج إليه، لأن الأسماء، في نهاية الأمر، صنعت للآخرين لينادوا بها علينا، لا لنا لنعرف بها أنفسنا
وأفكر كثيرا في أن التنفس نفسه قرض، قرض لا نعرف شروطه أعطي لنا دون توقيع ودون تاريخ استحقاق واضح، ونحن نسدد أقساطه يوميا دون أن نشعر بأنفاس صغيرة متتالية لا نلتفت إليها، حتى تلك اللحظة، التي ستأتي لا محالة، حين يطلب السداد الكامل دفعة واحدة، دون إشعار مسبق، ودون فرصة لتجميع ما يكفي من الوقت لتسويته. وأغرب ما في هذا القرض أننا نعيش كأننا ملاك دائمون لما استعرناه، نخطط لعقود مقبلة بثقة من يملك، بينما الحقيقةفي مكان خفي نتجنبه أننا لا نملك حتى النفس القادم قبل أن يدخل فعلا إلى الصدر
أفكر كثيرا في اللغات التي ماتت مع آخر متحدث بها كيف انطفأت كلمات كانت تحمل، لآلاف السنين، طرقا فريدة في رؤية المطر أو الحزن أو الأبوة، طرقا لن تقال بعد الآن بتلك الدقة تحديدا، لأن آخر فم كان يعرف نغمتها الصحيحة صمت إلى الأبد. وأظن أن هذا هو المعنى الأعمق للفناء، أن تمحى معك طريقة كاملة في الإحساس بالعالم لم تدون في أي مكان
وفي بعض الليالي الثقيلة يزور سؤال قديم جدا، سؤال لا يولد، كما يظن كثيرون بتسرع، من جبن أو ضعف، بل من وضوح مؤقت مؤلم، من رؤية الأشياء للحظة عارية من غطائها المعتاد: ما الفائدة من الاستمرار حين لا يعد الاستمرار بشيء واضح؟ وهو سؤال زاره، على الأغلب، كل من واجه فراغا حقيقيا في حياته، ولو لساعة واحدة، حتى إن لم يجرؤ أحد على الاعتراف بذلك بصوت مسموع. والغريب أن هذا السؤال، إن ترك ليكتمل دون أن يخنق بالخوف السريع أو بالوعظ الجاهز، ينتهي في أغلب الأحيان إلى إجابة صامتة أخرى غير متوقعة: أن الاستمرار لم يكن وعدا بشيء في أي لحظة، بل فعل عنيد يتكرر كل صباح، لا لأن أحدا أثبت جدواه بحجة قاطعة بل لأن ثمة عنادا هادئا، تحت كل الهشاشة، يرفض أن يغادر المكان فارغا قبل أن يفهم، ولو جزئيا، لماذا امتلأ به أصلا. وهذا العناد، هو أقرب شيء نملكه إلى الشجاعة.
وربما لهذا كله لا أستطيع أن ألعن الوحدة كليا، رغم كل ما تسببه من ألم، لأنني أعرف أيضا أنها الورشة الوحيدة التي أنتج فيها كل شيء أعتز به، فلا أحد يفكر تفكيرا حقيقيا وسط الضجيج، ولا أحد يكتب جملة صادقة بينما الغرفة ممتلئة بأصوات تطلب منه أن يكون شخصا آخر. وكأن الوحدة غرفة بأدوات خاصة، لا تعمل هذه الأدوات إلا في صمتها الكامل، وحين نلعنها لأنها تؤلم، ننسى أننا ندخلها في كل مرة نريد أن نصنع شيئا يستحق أن يبقى بعدنا
وربما لهذا تظل الكتابة، أو أي فن آخر، الجواب الوحيد الذي لا يكذب على ذلك السؤال: ليس لأنها تحل شيئا بل لأنها الفعل الوحيد القادر على إعطاء شكل لما لا شكل له. فالقصيدة أو الجملة النثرية الطويلة التي تحاول ملاحقة فكرة تهرب دائما، تشبه رسالة تلقى في البحر داخل زجاجة، لا لأن كاتبها يعتقد جديا أنها ستقرأ، بل لأن رمي الرسالة نفسه دليل على أن الذراع ما زالت تعمل، وأن ثمة إرادة، رغم كل شيء، على التواصل مع شاطئ لا نراه ولا نعرف إن كان مسكونا. وكل نص نكتبه عن ألم عبرناه يشبه، بهذا المعنى، ندبة لا تمحو الجرح الذي كان، لكنها دليل إغلاقه، أنه لم يعد ينزف بالطريقة نفسها، وأن الروح وجدت طريقة، ولو ناقصة، لمواصلة الحياة حول الإصابة
أفكر أحيانا في الطيور المهاجرة كيف تعبر قارات كاملة دون خريطة مطبوعة تهتدي بشيء في داخلها لا تفهمه هي نفسها، غريزة قديمة أعمق من أي وعي فردي، وتصل، أغلبها، إلى وجهة لم تخطط لها بالمعنى العقلاني للكلمة، بل استسلمت لشيء يشدها من الداخل
وأتساءل إن كان استمرارنا يشبه ذلك: لا نملك خريطة حقيقية لما نتجه إليه ولا ضمانا بأن الوجهة ستستحق كل هذا العبور، لكن ثمة نداء داخليا، لا نفهمه تماما يدفعنا للمتابعة للتحليق فوق محيطات من عدم اليقين دون أن نسقط، أو رغم أننا نسقط أحيانا، لكننا نستأنف التحليق بمجرد الاستطاعة
بعد سنوات من ذلك الارتباك الأول، سمعت صوتي مسجلا مرة أخرى، في سياق عابر، ولمرة واحدة لم أشعر بالغرابة المعتادة، بل بشيء أقرب إلى التصالح الهادئ، كأن الصوت الغريب الذي أرعبني يوما قد أصبح، بفعل تكرار غير مقصود، مألوفا بالقدر الكافي لأسميه صوتي دون تحفظ، ليس لأنه تغير، بل لأنني، ببطء، تعلمت أن أعترف به جزءا مني، جزءا لم أختر نبرته لكنه يبقى رغم كل شيء الجزء الذي يحمل كلماتي إلى العالم
