الجمعة 14 آب 2026
تحدثت مع طبيبي النفسي لمرة أخيرة. أخبرته أن الحياة، على امتداد الوقت، لا تكف عن إرسال إشارات تبدو لي مؤكدة لفكرة واحدة: أنني لست سوى خلل متكرر، وكتلة من الفشل المستمر في العلاقات والأشياء وفي محاولات الانتماء إليها. وقلت له إنني، في النهاية، عدت إلى المصير الذي ظل مؤجلا منذ عام ونصف. أخبرته أيضا عن الاحتمال الضئيل جدا لإصابتي بالسرطان، وأنني قد لا أنتظر حتى صدور نتائج العينات، فالأمر لم يعد يشغلني، وحتى إذا تأكد التشخيص، لا أجد في نفسي نية للعلاج. أكدت له أنني هادئ أو على الأقل هذا ما أشعر به وأن ذهني صاف على غير العادة ، وإن كنت بالكاد أنام في هذه الأيام. وأخبرته أنني أنهيت اليوم كتاب “سفر في بلاد السرطان” لإفلين عقاد،إنه كتاب رائع ومذهل، لكنني لسبب لم أستطع فهمه تماما، شعرت بغضب متزايد وأنا أقرأه.
أخبرته أنني وصلت إلى مكان لا تبدو فيه النجاة انتصارا ولا الهزيمة مفاجئة، بل مجرد استمرار منطقي لشيء بدأ منذ وقت طويل وحدث تأجل أكثر من مرة
لفترة طويلة كنت أتحايل على هذه الأفكار باعتبارها نتيجة مؤقتة للإنهاك، شيئا سيخف حين أنام بما يكفي، أو حين تتغير بعض الظروف، أو حين تنجح علاقة واحدة على الأقل في الاستمرار. لكن الوقت مر، ولم يحدث ذلك. راقبت نفسي وأنا أختصر الاحتمالات واحدا تلو الآخر، حتى أصبح المستقبل مساحة ضيقة جدا لا تتسع إلا لتكرار ما أعرفه مسبقا. وربما كان هذا هو أكثر ما حاولت شرحه له: أن المشكلة لم تعد في حدث بعينه وربما هي في الطريقة التي تراكمت بها الأحداث حتى صارت تبدو كأنها جملة واحدة طويلة لا أعرف بدايتها ولا أرى لها نهاية مختلفة
من حسن حظي أن هاتفي معي، ولهذا ما زلت أتحدث. أحيانا أفكر لو انه لم يكن معي ماذا كنت سأفعل، ربما سأفرغ الرصاص في رأسي أو أشنق نفسي، أحاول تجنب الموت في المعسكر، الأفضل أن أموت في المنزل أيا كانت طريقة الموت
الخسارة باتت نسق حياتي. أستمر في خسارة الأصدقاء والأحبة والأحلام، بالتأكيد أنا المشكلة هذا جزء من الحقيقة التي لا أجرؤ على إنكارها. لكن ما يؤلمني هو أن الجميع يسلبني حقي في معرفة السبب، لماذا لا يقول لي أحد أين أخطأت حتى لا أكرر الخطأ
أفكر في من رحل في هذه الظروف تحديدا، التجنيد الإجباري، الفشل الأكاديمي والوظيفي، المرض المحتمل، المشاكل العائلية، الاكتئاب، الديون المتراكمة، لست غاضبا منهم ولم أطلب منهم أثناء وجودهم شيئا أكثر من الوجود الثابت لكن عدم وجود تفسير لرحيلهم هو ما يجرحني، الأمر مهين بطريقة ما، إنها طريقتهم في إخبارك أنك غير مرئي ولا تستحق حتى التفسير
إنها الثانية عشر منتصف الليل، يوم جديد يبدأ، تقيئت دما مرة أخرى، أعتبرها إشارة جيدة وأقول لنفسي ربما مجرد قرحة، وحتى إن كان سرطانا، فلا مشكلة. بالتأكيد السرطان يمنحك ميتة لائقة غير فضائحية وتظهرك بمظهر بطولي على عكس الانتحار لكنه يجلب معه شفقة مزعجة
السبت 15 آب 2026
أتجاهل رسائل الطبيب، يحاول طمأنتي بأن الأمور ستتحسن لاحقا وأن الأصدقاء يمكن تعويضهم وأنها ليست سوى قرحة وإن كانت سرطانا فبروتوكول العلاج بسيط، المزعج ينسى أنني طبيب كذلك
السبت 15 آب 2026
أنا هنا، أكتب، أتقيأ دما، أضحك، ولا أسامح نفسي، وأفكر في إنهاء حياتي غدا.

بحثت عن كلمات مواساة، لكني أعتقد أنك مكتف بها.
لا أدّعي أني أفهم معاناتك، لكني لمست شيئًا منها في كتاباتك، وأظن أن الكتابة تقول أحيانًا ما تعجز عنه المواساة. استمر بها ما دمت قادر على ذلك.