لم يكتب وصيته كما قال
ولم يكن معه ما يكفي لشراء كفن
يسير غاضبا
غاضبا من نفسه
لأنه فشل في الحياة
والموت كذلك
غاضبا من الحياة
لأنه سلبته كل ما أحب
في أكثر لحظات ضعفه
غاضبا من أبيه
فقد اختار له اسما
يطارده معناه
غاضبا من أمه
لأنها تزوجت أبيه
غاضبا من منزل أبيه
لأنه ثلاثة طوابق فقط
وهذا لا يكفي للموت
لبضعة كسور ربما
رهان ينسحب منه
فخسارته لا تحتمل
غاضبا من حبيبته
لأنها أحبته
وهو صدقها
وأحب نفسه للمرة الأولى
قبل أن يتقيأ الدم
الحب لا حدود له، ربما
يصل إلى الجميع
حتى هيفاء حسين أحيانا
لكنه لا يصل إليه
غاضبا من أصدقائه
فلا أحد منهم اشترى له سما
أو مسدسا محشو برصاصتين
يجلس على قطعة من العالم
قطعة
بحجم ما يحتاجه رجل
كي يمد ساقيه
ويضع رأسه
ويتساءل إن كان الموت مهنة
أم لعبة شطرنج
تتطلب قطعة بلا قلب
يحركها القدر وفق قواعد لا يفقهها
هل تظل الحياة ”حياة“
إن نام آخر العابرين؟
يعود إلى غرفته ليجد أن الجدران
كتبت على جسده قصيدة
تقول إن الحياة ترفض أن تقرأ كقائمة مشتريات
تريد أن تفهم
يقرأ القصيدة ويضحك
تصبح غرفته بيتا لأشياء تحب الشمس
يؤسس فيها معرضا للحياة
ليعرض جثته
يستدعي في لحظة واحدة كل أمهات العالم
ليسألهن كيف يغادر رجلا بلا سيرة كاملة
النساء يرددن أسماء كانت في لغة الطفولة
ويشرحن له أن الموت لا يطلب إذن الرفاق
يضحكن
يبكين
رجل يحمل رأسه تحت إبطه
ويصفق بيده الثالثة
يمشي في الشارع
ظله يسبقه بعشر خطوات
يدير الزوايا قبل أن يصل إليها
ويختار له الأرصفة المزدحمة
حيث يقف الباعة
يبيعون الضمادات المستعملة
حيث يتزاحم العرافون على قراءة
كف طفل ولد بثلاثة أصابع
فيخبرونه أن العمر سيمر
كقطار
لا يتوقف في المحطات
سيمر حاملا حقيبته وحقائب الآخرين
ومناديل النساء اللواتي لوحن للوداع
ليلا يحلم بأنه يمشي
على جسر معلق بين غيمتين
الجسر مصنوع من الأحبال الصوتية
لأشخاص ماتوا غرقا في الأناشيد
كلما خطا خطوة سمع صدى صوته
يعود إليه مشوها
حاملا كلمات لم يقلها
وأسماء نسي منادتها
وحين يصل إلى المنتصف
يجد رجلا بلا ملامح
في انتظاره
يحمل بيده ساعة رملية مكسورة
يستمع إلى صوت الرمل وهو يسقط
على وجوه النائمين في الأسفل
يفتح الغريب صدره
فيخرج منه قطيع من الخيول البيضاء
تجري نحو الأفق
تاركة على الجسر حوافرها
يستيقظ فيجد نفسه
يعدو خلف الخيول في غرفته
وفي فمه طعم الحديد والدم
هل يستطيع الإنسان أن يموت
دون أن يترك أثرا على حافة السرير
دون أن يترك شعرة واحدة
في مشط امرأة لا يعرفها
دون أن يترك ظله
يتسكع في الأزقة الخلفية
هل يستطيع أن يموت
دون أن يموت أحد معه
ظله يقول: أنا ما تركته وراءك
وأنا ما ستركض نحوه
أنا الجسر الممدود
بين اسمك وصورته
بين بطولتك وهزيمتك
يفتح الدفتر فيقرأ
اليوم الأول:
كتبت اسمي فلم أتعرف عليه
اليوم الثاني:
رأيت أمي واقفة في الحديقة
تسقي الورود
لكن الورود كانت تسقي دموعها
اليوم الثالث:
جاء حبيبي
أحضر لي قفصا فارغا
وقال لي غني فيه
اليوم الرابع:
أنا طائر الآن
ولا أتذكر طعم الحب
اليوم الخامس:
صعدت إلى السطح لأطير
فوجدت حارسا يقص النجوم
بمقص حديدي
ويسقطها في سلة قش
اليوم السادس:
سأموت
يعرف أن الرحلة كانت فخا
نصبه لنفسه
كي يهرب من سجن
لا جدران له
لكنه مع ذلك
سيبقى واقفا عند الباب
ينتظر موته
