يمتد الظل على بلاط الحمام البارد، متخذا هيئة هلامية مراقبا المشهد بصمت مطبق. يفقد الزمن سيولته المعتادة، متصلبا في قطرات معدنية ثقيلة تسقط بإيقاع رتيب. الانحناء فوق الحوض الأبيض يصير طقسا متكررا أقرب إلى صلاة جسدية قاسية يؤديها الجسد بانتظام صارم واعتياد مرعب. يستقبل الحوض الأبيض الناصع السائل الداكن، الأحمر القاني المائل إلى السواد واللزوجة، يبتلعه ببرود محايد يفتقر إلى الدهشة. يستعمر الطعم الصدئ تجويف الفم بالكامل، يمحو ذاكرة الأشياء الطازجة، يلغي طعم الشاي الصباحي، طامسا أثر الخبز، فارضا سيطرة المعدن والتراب على الحواس جميعها. الدماء القليلة المندفعة من جوفي تشكل رسالة مشفرة يرسلها جسدي إلى العالم الخارجي، إعلانا صريحا عن حرب أهلية تدور رحاها في العتمة الداخلية
ثلاثة أشهر يمارس الجسد سلطته من حين لآخر. تتناثر القطرات على السطح المصقول، راسمة خرائط عشوائية لبقايا من الأنسجة المتآكلة والخلايا المحترقة، يتدفق الماء من الصنبور ببرودة آلية، يغسل الأثر المادي طامسا تفاصيل الجريمة البيولوجية، يعيد الحوض إلى نقائه الخادع والبراق، بينما يستمر الخراب معششا في الداخل. التحديق في المرآة بعد هذه الحادثة يكشف وجها يرتدي ملامح النهاية، شحوبا يمتص الضوء المحيط ويحتفظ به في مسام الجلد المتعبة. التنفس يعود تدريجيا إلى إيقاعه البطيء المحمل برائحة الجوف المحترق، رائحة النهايات المؤجلة والانتظار الثقيل
هذه الدماء المتقيئة تمثل عصارة أيام طويلة ومتراكمة، طبقات من الأسى الصامت ابتلعها الجسد، خزنها في المعدة المنسية حتى ضاق بها المكان فقرر لفظها في نوبات من الغضب السائل والتمرد العضوي. يحترق حلقي خلال هذا الصعود المؤلم، يسجل مرور القافلة الحمراء بألم مكتوم. العينان تتابعان اختفاء اللون الأحمر في فتحة التصريف، تشهدان على ضياع جزء من الجوهر الحيوي، جزء من المادة الأساسية التي تبقي هذا الهيكل العظمي واقفا على قدميه. العزلة في هذا المربع الصغير، تصبح جدارا إضافيا يفصل بين هذا الكيان النازف وبين بقية العالم المستقر في الخارج
العيون المحيطة مصابة بعمى الألفة، العمى المريح الذي يكتفي بقراءة العناوين البارزة ويتجاهل المتن المعقد. الأصدقاء، أفراد العائلة، العابرون في الشوارع المزدحمة، زملاء العمل، الجميع ينظرون إلى هذا الوجه الشاحب، يقرأون الانطفاء الواضح في العينين، ويترجمون هذا الشحوب فورا إلى أبجدية يعرفونها جيدا، أبجدية سهلة الاستهلاك
الاكتئاب، الكلمة المريحة، الكسولة، المعطف الذي أرميه على كتفي كلما لاحظوا انحدار نظرتي نحو الأسفل، أو بطء خطواتي، أو شرودي الطويل في تفاصيل الفراغ. يطمئنون تماما إلى هذا التشخيص الخارجي، يرتاحون لفكرة الحزن المألوف،يجدون الانطواء مبررا في عالم يطحن الأرواح بآلاته اليومية
الانعزال الخارجي، يمثل قشرة رقيقة، غلافا هشا يخفي تحته نشاطا بركانيا متواصلا، احتراقا بطيئا ومستمرا للخلايا، وانهيارا محتملا لمعمار الجسد من الداخل. أبتسم لهم ابتسامة باهتة، أستمع إلى نصائحهم الساذجة حول أهمية الخروج، ضرورة تناول الفيتامينات، حتمية تجاوز الأزمات العاطفية، أهز رأسي موافقا، أمنح بعضهم متعة الشعور بأنه المنقذ، بينما معدتي تحضر وجبة جديدة من الدماء لتلفظها في أي يوم قادم
المسافة بيني وبين أقرب المقربين تتسع لتصبح هوة كونية، مساحة شاسعة من سوء الفهم المطلق. يتعاملون مع شبح، مع صورة قديمة يحتفظون بها في ذاكرتهم، بينما أجلس أمامهم، أتآكل بصمت، أتحول تدريجيا إلى خرائب حيوية
الكلمات المتبادلة في اللقاءات العائلية أو جلسات الأصدقاء تفقد أوزانها تتحول إلى فقاعات صوتية تطفو في الهواء ثم تنفجر دون أثر
هذا العمى يمنحني مساحة من الحرية الباردة: حرية الانهيار دون تدخلات خارجية، حرية الغرق دون الحاجة إلى رمي طوق نجاة لا أطلبه
العيادة الطبية تمثل صندوقا مغلقا بإحكام على الأسئلة الباردة. المكان مصمم خصيصا لتجريد الإنسان من حكايته، لتحويل الألم الشخصي، الفردي، العميق، إلى مجرد أرقام ورموز وبيانات في ورقة
الطبيب -صديقي وزميلي- يجلس وراء مكتبه الخشبي يقلب أوراقا، ينظر إلى نتائج التحاليل السابقة، يقرأ جسدي
صوته يحمل تلك الثقة المهنية الباردة
ينطق بكلمة: قرحة
القرحة، يقولها ببساطة شديدة، بخفة رجل يطلب كوبا من الماء. لا يحتاج إلى شرحها لي بصوته الرتيب، كلانا يعرف أنها تمزق طفيف في بطانة المعدة، تآكل ناتج عن فرط الأحماض، ربما بسبب التوتر المستمر، القلق، أو عادات الطعام السيئة. يؤكد بثقة قاطعة أن الأمر بسيط، غاية في البساطة، مجرد التهاب عابر يحتاج إلى بعض الأقراص، ونظام غذائي صارم
وبنبرة عابرة يضيف ضرورة إجراء فحص بالمنظار. يطرح الأمر كخطوة روتينية، إجراء احترازي ضروري لاستكمال الصورة، كما يتطلب الإجراء أخذ عينة، قطعة صغيرة، هذه القطعة المنتزعة من سياقها العضوي، ستحمل عبء الإجابة النهائية. الهدف من هذه العملية برمتها هو التأكد، استبعاد الاحتمال الأسوأ، نفي وجود السرطان
يلفظ كلمة ”سرطان“ بحذر، يغلفها باحتمالات ضعيفة، يؤكد أنها مجرد إجراء روتيني لاستبعاد الشك، لكن الكلمة بحد ذاتها تملك كثافة عالية، جاذبية مرعبة تسحب كل الأفكار نحوها.
يمثل الفحص بالمنظار رحلة استكشافية في جغرافيا الجحيم الشخصي، اختراقا للحدود الأخيرة التي تفصل بين الظاهر والباطن، والخزعة المنتظرة ستشكل قرارا اتهاميا أو صك براءة
فكرة تجاهل هذا الفحص تدق في رأسي باستمرار، إيقاع متواصل يطالبني بترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي، بدعوة الخراب إلى إكمال عمله دون تدخل، العقل يجري مقارنة مستمرة، ميزانا حساسا يزن أشكال النهايات المتاحة
الانتحار يلوح كفكرة مرهقة للغاية، مشروع يحتاج إلى طاقة لا أملكها، إلى تخطيط هندسي، إلى قرار حاسم يقطع التردد، إلى شجاعة مؤلمة أو يأس مطلق يطغى على غريزة البقاء
الانتحار يتطلب اختيار الأداة، تحديد المكان والزمان، كتابة رسائل الوداع المبتذلة، ومواجهة اللحظة الأخيرة بوعي كامل وحضور ذهني تام، الانتحار يمثل فعل تدخل مباشر، إعلانا صريحا للحرب على الذات، تحملا لمسؤولية النهاية أمام الذات وأمام العالم
في المقابل يتقدم المرض المحتمل كضيف متكفل بكل شيء، مقاول يتولى مهمة الهدم نيابة عني. ينمو في صمت، ينسج خيوطه في الظلام الداخلي، يتوسع بهدوء، يحتل المساحات العضوية. الموت بهذه الطريقة يحمل نوعا من البراءة المريحة، طهارة بيولوجية تعفي العقل من اتخاذ القرار، يرفع عن كاهلي تهمة قتل النفس، يحولني من جان إلى ضحية تتلقى ضربات القدر بشجاعة مفترضة في عيون الآخرين. أستلقي على السرير، أترك الخلايا المتمردة تنجز المهمة التي طالما فكرت فيها وعجزت عن تنفيذها، أمنح الجسد حرية التهام نفسه بنفسه
يوفر هذا الموت البيولوجي البطيء عذرا مثاليا للرحيل، انسحابا هادئا شرعيا ومبررا، ويقدم لي ذريعة مثالية للابتعاد، يعفيني من تبرير رغبتي العميقة في التلاشي
الأصدقاء ربما سيبكون الخسارة، العائلة ستندب الحظ العاثر، الجميع سيوجهون غضبهم نحو المرض، تاركين إرادتي الحقيقية في الظل، محفوظة ومصانة من أحكامهم الأخلاقية. هذه الشراكة السرية مع المرض تمنحني سلاما داخليا، طمأنينة رجل وجد الشريك المناسب الذي سينفذ خطته دون أن يترك بصماته على أداة الجريمة
رغم هذه القناعة العميقة المتجذرة في روحي، رغم الرغبة الدفينة في ترك العفن يأكل الجدران بحرية تامة، ورغم الترحيب الصامت بقدوم المخلص البيولوجي، أجدني أمد يدي نحو الهاتف المحمول، أختار يوما وساعة محددة في الأسبوع القادم. الأسبوع القادم، هذا الزمن المستقبلي الذي لا أملك أي رغبة حقيقية في بلوغه، يصبح أهم أيام حياتي
الجسد يطلب النجاة ويتحرك نحو أسباب العلاج، بينما الروح ترغب في استقبال النهاية وترحب بقدوم الخراب هذا الانفصام بين الفعل المادي والرغبة الداخلية يخلق حالة من الدوار المستمر. أمارس طقوس الإنسان الحريص على مستقبله الصحي، وأنا في أعماقي أضحك بسخرية مريرة من العرض المسرحي الذي أؤديه أمام نفسي
الانتظار يتشكل الآن كمساحة زمنية فارغة، أيام تفصل بين الشك واليقين، بين القرحة البسيطة والسرطان
وفي هذه الأثناء أحتفظ بهذا الثقل الوجودي كله لنفسي الخالصة. دائرة الصمت تضيق حولي بانتظام تبني أسوارا شاهقة من الكتمان المتعمد. ألتزم الصمت التام أمام عائلتي، لم أنطق بحرف واحد يلمح إلى العاصفة الدموية التي تجتاح صباحاتي. أحدث أصدقائي دون إرسال أي إشارة غامضة، دون تمرير أي تلميح في ثنايا الأحاديث اليومية المعتادة
الكلمات تفقد معناها تماما حين تصطدم بحقيقة الموت الفردي، تتضاءل، تنكمش، وتبدو سخيفة أمام الفناء الشخصي. ربما ظننت البوح فعلا خائنا لهذه التجربة الذاتية البحتة، محاولة بائسة لإشراك الآخرين في رحلة أصر على أنها مصممة لشخص واحد فقط
كل شخص يموت وحيدا، يواجه عتمته الخاصة بمفرده، يختبر طعم نهايته منفردا، حتى لو أحاط به جيش جرار من الباكين والمحبين والمهتمين. المشاركة في هذه اللحظات تمثل وهما اجتماعيا، مسرحية للتعزية المتبادلة
البوح بحالتي سيفسد هذا الطقس السري، سيجلب نظرات الشفقة اللزجة التي أحتقرها، سيحيل أيام الانتظار القليلة المتبقية إلى دراما خانقة، سيملأ عقلي بالنصائح الطبية الساذجة والصلوات اليائسة. سيجبرني البوح على لعب دور المتمسك بالحياة، المقاتل الشجاع ضد المرض المحتمل، الباحث عن الأمل، وأنا في الحقيقة لا أملك ذرة طاقة واحدة لتمثيل هذا الدور السخيف، ولا أملك أي رغبة في القتال أو البحث عن أمل كاذب
الصمت أبنيه حولي كقلعة منيعة وملاذ أخير، يحمل الصمت وزنا ماديا، يملأ زوايا الغرفة، يجلس معي على الأريكة، يرافقني في جولات المشي المسائية. أكتم السر في صدري، أتركه يتفاعل مع أحماض المعدة، يغذي الخلايا المتمردة بطاقة الكتمان العظيمة. أستمتع بنشوة المعرفة الفردية، أنا وحدي أعرف حقيقة الخراب الدائر تحت هذا الجلد، أنا وحدي أمتلك مفاتيح النهاية، العزلة المجيدة تتوج هذا الانتظار، تحولني إلى حارس أمين لمقبرتي الخاصة، أراقب بصبر هادئ انهياري الداخلي، أراقب سقوط الأعمدة واحدا تلو الآخر، منتظرا بيقين هادئ موعد الأسبوع القادم، الموعد الذي قد يمنح الخراب الداخلي اسما علميا، ويمنح رغبتي في التلاشي شرعيتها البيولوجية المطلقة
