اليوم تعرف، ولا تسأل من أخبرك؛ الخبر جسد خفيف يدلف من كوة الصباح، ساعة فتحت عينيك على سقف مهمل. معرفتك هذه ملح يجد طريقه إلى الجرح وحده، بلا بوصلة أو خارطة، بلا مرشد يوصيه بالحذر. هذا يومك. لم يكتب اسمك على باب، ولم يناد به في الساحات العامة. الأيام السابقة غبار خفيف تذره الرياح، تمسحه يد ولا تسأل عن اسمك.
اليوم تقف بكامل وزنك عند حافة السرير، تنتظر قيامتك، تمشي نحوها بقدمين حافيتين، تصافح موتك مصافحة الغريب الذي سيسكن بيتك بعد الظهيرة ليوم واحد.
جسدك أول من سمع، القلب أزاح كرسيه قليلا عن النافذة، الرئتان بابان متقابلان مفتوحان ليمر الهواء بلا ازدحام، اليدان تتفقدان الأصابع واحدا واحدا، إنه وقت الإحصاء. الدم لا يسرع ولا يتباطأ، الدم عابر في طريقه المعتاد، لا يعرف أن الجسد الذي يمشي فيها سيغلق أبوابه عند الغروب. الخوف، إن جاء، يجيء خفيف الخطى، ساعيا بريديا صغيرا يطرق باب الصدر مرتين ثم يمضي دون أن يفتح له. لا شيء في الجسد يعلن إضرابا، كل عضو يتابع ورديته المعتادة، بانضباط موظف لا يعرف أن المؤسسة بكاملها ستغلق أبوابها هذا المساء، إغلاقا نهائيا.
تنهض. الشاي أول طقوس العناد، تسكب الماء المغلي فوق مسحوق وتنتظر. الانتظار هنا فعل صغير داخل فعل أكبر، دائرة ضمن دائرة، كوب ساخن ضمن يوم يبرد.
الهاتف على الطاولة صندوق أسود صغير، يحمل أسماء لم تتصل بها منذ شهور. بمن تتصل؟ الأصابع فوق الشاشة ترتجف. تختار اسما، تحذفه، تختار آخر. الاعتذار جملة قصيرة تزن أطنانا، والمسامحة باب يحتاج إلى مفتاحين: مفتاحك ومفتاح الآخر، وأنت اليوم تملك نصف الوقت. لن تتصل بهم. بعض الجراح تفضل البقاء مغلقة بختمها الأصلي،فتحها في آخر يوم نوع من الغش، خدعة أخيرة، لا يستحقها الجرح ولا صاحبه.
قائمة سريعة، مكتوبة بيد ترتجف قليلا من الاستعجال: نظرة طويلة إلى صور قديمة، كلمة صغيرة تخرج من الفم مباشرة، صوتا حيا في الهواء: “أحبك”. نزهة قصيرة بلا وجهة، خطاك وحدها تقرر الاتجاه. غفوة نصف ساعة في العصر، ترفا لم تسمح به الأيام السابقة. وقفة أمام ماء، نهرا كان أو بركة صغيرة في حديقة عامة. دمعة واحدة، غير مبررة لأحد، تخرج لأن الجسد يحتاج إلى تفريغ ملحه الزائد. صفحة من كتاب محبب، مقروءة للمرة الثالثة أو الرابعة. هذه قائمة متواضعة، ينقصها البطولة والدراما الكبرى، لا تريد قفزة من الطائرة في يومك الأخير، تريد نسخة أكثر انتباها من يومك العادي.
في الدرج الثاني من المكتب، قصيدة نصفها حجر ونصفها ريش، سطور أولى كتبت بحماسة من يظن الوقت حليفا دائما، وفراغ بعدها، صفحة بيضاء تنتظر منذ سنتين يدا لم تعرف كيف تكمل ما بدأته بثقة زائدة. اليوم تفتح الدرج، تقرأ السطور القديمة بغربة طفيفة. هل تكمل النص الآن؟
في الخارج، الشمس عين كبيرة لا تغمض، تراقب المدينة وهي تكرر نفسها: باعة، حافلات، أطفال يركضون خلف كرة بلاستيكية. لا أحد يعرف اسمك، لا أحد يعرف أن اليوم يومك الأخير ولا أنت تعرف، هذا درسك الأول في جغرافيا الموت: أنه محلي دائما، شخصي حد الإحراج، بينما العالم يصر أن يبقى عاما، غير مبال. المدن الكبرى لا تحتفظ بوقت للحداد الفردي، مشغولة بجنازاتها الجماعية الكبرى: حروب بعيدة تبث بصوت منخفض، أرقام تتصاعد كل مساء ثم تعود إلى الصفر في نشرة جديدة. موتك اليوم رقم لن يضاف إلى تلك النشرة، لن يقرأ باسمك، لن يوقف له دقيقة حداد رسمية. هذه ديمقراطية الفناء الوحيدة العادلة: الجميع يموت فرادى، مهما كثر عدد الموتى في العنوان نفسه.
اللغة تحاول أن تمسك الموت بيدين من ورق، والموت حجر لا يشغل حيزا في جيب جملة. كل كلمة تكتبها عنه انسحاب مؤقت منه، هدنة صغيرة بينك وبين الفراغ. الشعراء الذين سبقوك كتبوا عنه آلاف القصائد وماتوا رغم ذلك، وماتت قصائدهم أحيانا قبلهم أو بعدهم بقليل، أليس هذا دليل كاف على أن الكتابة فعل عاجز عن الشفاء والوقاية معا، هي فقط طريقة لتمرير الوقت بكرامة أكبر قليلا. اليوم تكتب لأن الكتابة الفعل الوحيد الذي لا يحتاج إلى غد ليكتمل معناه: جملة واحدة تكفي، لا تحتاج إلى فصل ثان. هل هذا عزاء؟ ربما. الحقيقة أنك لا تكتب لتنتصر على الموت.
الاسم والموت يصلان إليك معا، بلا استئذان، ميراثان متلازمان يمران منك إلى غيرك بالطريقة نفسها، صامتين، أكيدين. كل عائلة سجل طويل من الرحيل المتكرر، شجرة ثمارها المؤجلة جنازات، تنضج كل جيل على حدة. أنت اليوم ثمرة استعجلت نضجها، وسقطت قبل موسمها المعلن.
